يوميات 2026/ من يوميات مسافر

طريقٌ آخر إلى داكار

الزمان أنفو (دكار): حين تقودنا الطرق إلى ما هو أبعد من المدن

بقلم: عبدالله محمدبون

بعد أشهر من آخر رحلة إلى داكار، وجدتني أتهيأ من جديد للسفر، لكن الطريق هذه المرة اختار لنا وجهة مختلفة. لم يعد معبر جاما صالحًا للعبور، كما أخبرنا بعض الأصدقاء في مقيل هادئ بمدينة تگنت، فكان القرار أن نسلك طريق روصو، وكأن الطرق، مثل البشر، لها أمزجتها الخاصة، تفتح أبوابًا وتغلق أخرى، لتقودنا دائمًا إلى حكايات لم تكن في الحسبان.


استيقظت قبل الفجر بقليل على رنين المنبه، وكان الصمت لا يزال يلف المدينة إلا من همسات المؤذنين وهم يدعون النائمين إلى صلاة الفجر. لم يكن الاستيقاظ سهلاً بعد سهرة امتدت إلى ساعة متأخرة من الليل، لكنها كانت من تلك السهرات التي تمنح الروح شيئًا من السكينة، فلا يشعر المرء معها بتعب السهر.

كنا نجلس في ذلك الركن الهادئ على طريق “البراد”، المنطلق من الدوار الذي ذاع صيته سريعًا، باتجاه طب القلب. هناك، كان الشاي أكثر من مجرد شراب؛ كان طقسًا موريتانيًا أصيلًا، تتعانق فيه رائحة النعناع مع دفء الحديث، بينما تتسلل من مكبرات الصوت ألحان الزمن الجميل، فتملأ المكان بهدوء يشبه هدوء الليل نفسه.

كان بليغ حمدي حاضرًا بألحانه التي لا تشيخ، ووردة الجزائرية تغني للحب كما لو أنها تكتشفه لأول مرة، وميادة الحناوي تنثر شجنها العذب، فيما كان صوت محمد عبد الوهاب يمر كنسمة قديمة تحمل معها ذاكرة أجيال كاملة. ثم جاءت أغنية Elle est d’ailleurs للمغني الفرنسي بيير باشليه، فتوقفت عند كلماتها طويلًا. كانت تتحدث عن الابتسامة التي تأسر القلب، وعن الرغبة في الإبحار نحو شواطئ أخرى ومرافئ جديدة. أدركت أن السفر ليس انتقالًا بين نقطتين على الخريطة، بل هو استجابة دائمة لذلك النداء الخفي الذي يسكن الإنسان، ويدفعه إلى اكتشاف ما وراء الأفق.

بعد لقاء صباحي مع سفير إحدى الدول الكبرى، عدت مسرعًا لأصطحب الصغير الذي كان قد أنهى لتوه يومًا جديدًا في الكتّاب، يحمل في عينيه براءة الأطفال وأسئلتهم التي لا تنتهي. ثم انطلقت ألحق برفيق الرحلة الذي كان ينتظر خارج نواكشوط.

انقطع الاتصال بيننا بعد آخر مكالمة، لكن الطرق تعرف كيف تجمع المسافرين. التقينا في المكان المتفق عليه، دون عناء، وكأن الطريق نفسه كان يرشد كل واحد منا إلى الآخر.

لم تكن السيارة تملك مكيفًا يخفف حرارة النهار، لكن نوافذها المفتوحة كانت تسمح لريح الصباح بأن تدخل محملة برائحة الأرض. وكانت السماء قد بدأت تبسط زرقتها فوق سهول اكتست بحلة خضراء مع أولى بشائر الخريف. في موريتانيا، للخريف طعم خاص؛ فهو لا يغير لون الأرض فقط، بل يغير مزاج الناس أيضًا. تصبح الأشجار أكثر سخاء، والعيون أكثر ارتياحًا، وكأن المطر يعيد ترتيب العلاقة القديمة بين الإنسان والمكان.

كلما ابتعدنا عن العاصمة، شعرت أن الزمن يبطئ خطواته. لم تعد الساعة هي التي تقيس الرحلة، بل صارت الأشجار، والقرى الصغيرة، وقطعان الإبل، والوجوه العابرة هي التي تحدد إيقاع الطريق.

في تگنت توقفنا لتناول الغداء في مطعم لم ندخله من قبل. كان الأرز ساخنًا، واللحم المشوي يحتفظ برائحته الشهية، ثم جاء الشاي على مهل، كما ينبغي للشاي أن يأتي، قبل أن نتذوق السمك الذي بدا كأنه يحمل معه شيئًا من رائحة البحر، رغم المسافة الطويلة التي تفصلنا عنه.

لطالما آمنت أن أفضل المطاعم ليست تلك التي تزينها اللافتات الكبيرة، بل تلك التي تمنحك شعورًا بأنك ضيف عند أهل المكان. هناك، لا تتذكر جودة الطعام وحدها، بل تتذكر الابتسامة التي استقبلتك، والكلمة الطيبة، والطريقة التي يقدم بها الشاي، وكأنك تعرف أصحاب المكان منذ سنوات.

واصلنا السير، وكانت البلدات الصغيرة تتعاقب على جانبي الطريق، كل واحدة منها تبدو كأنها صفحة من دفتر قديم. بعضها أيقظ في ذاكرتي وجوه رفاق رحلوا، لأتمتم بالترحم على صديق الطفولة “الحاج”،كان أول من ترك فراغا كبيرا في ” شلتنا” وجعلني أتجرع مرارة الفقد والغياب.. اللهم اعرف له وارحمه رحمة واسعة.. وبعضها أعاد إلى ذهني رحلات مضت، وأحاديث طويلة كانت تبدأ مع انطلاق السيارة ولا تنتهي إلا عند الوصول.

أدركت أن الذاكرة لا تحفظ أسماء المدن بقدر ما تحفظ من كانوا معنا ونحن نعبرها. فالطريق الذي نسلكه اليوم قد يكون هو نفسه الذي عبرناه قبل سنوات، لكننا لا نكون الأشخاص أنفسهم. تتغير أعمارنا، وتتبدل اهتماماتنا، ويغيب بعض الرفاق، ويولد آخرون، فيما يبقى الطريق شاهدًا صامتًا على كل ذلك.

ربما لهذا السبب أحب السفر. ليس لأنه ينقلني من مدينة إلى أخرى، بل لأنه يمنحني فرصة نادرة للإنصات إلى نفسي بعيدًا عن صخب الحياة اليومية. ففي الطريق يصبح الإنسان أكثر قدرة على رؤية الأشياء الصغيرة؛ شجرة وحيدة تقاوم الريح، طفل يلوح للمارة، راعٍ يتابع قطيعه بصبر، أو غيمة تظلل الأرض لدقائق ثم تمضي.

كل هذه التفاصيل تبدو عابرة لمن يستعجل الوصول، لكنها بالنسبة للمسافر الحقيقي هي الرحلة نفسها.

وأنا أقترب من روصو، ثم من الحدود، شعرت أنني لا أبحث عن مدينة جديدة بقدر ما أبحث عن معنى جديد للطريق. فكل رحلة تمنحنا فرصة لنراجع أنفسنا، ولنكتشف أن المسافات التي نقطعها فوق الأرض أقل بكثير من تلك التي نقطعها داخل أرواحنا.

لهذا، كلما عدت من سفر، أيقنت أنني لم أرجع الشخص نفسه الذي غادر. فالطريق، مهما بدا مألوفًا، يترك في القلب أثرًا جديدًا، ويضيف إلى الذاكرة صفحة أخرى تستحق أن تُروى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى