طريقٌ آخر إلى داكار(2)
11 أغسطس 2026 بقلم: عبدالله محمدبون

الزمان أنفو (نواكشوط):
من يوميات مسافر
الحلقة الثانية: طريقٌ آخر إلى داكار
مطلع أغسطس 2026
بقلم: عبدالله محمدبون
واصلنا هذه المرة رحلتنا إلى داكار عبر طريقٍ غير الطريق، بعدما فرضت علينا ظروف الدرب أن نسلك مسار روصو، متخلين عن معبر «جاما» الذي كان يهب لنا مسافة تقارب مائة كيلومتر توفيراً وسهولة.
وفي الطريق إلى روصو، تجاوزنا سيارات لا تُحصى، كلها قاصدة المعبر ذاته، بعضها يحمل على متنه بشراً في صناديقها الخلفية، وفوق أسطحها، في مشهدٍ يعيد إلى الذاكرة أن السفر في هذه الربوع نادراً ما يكون رحلة مريحة، بل هو غالباً امتحانٌ صامت للصبر والاحتمال.

كان أحد المعارف قد تواصل معنا سلفاً، ورتّب لاستقبالنا عند المعبر، فوجدنا ابنه هناك في انتظارنا، يحمل عنا هموم الإجراءات. غادر معنا على متن العبّارة، بينما رافقتنا سيارتا نقل ضخمتان ضايقتا سيارتنا الصغيرة «المرسيدس»، بحجمهما الطاغي وضيق المساحة بيننا.
وعند الجانب السنغالي، افتُتح فصلٌ آخر من فصول الرحلة؛ إذ تولى الفتى بعض الإجراءات، من بينها استخراج ورقة التأمين، وورقة الـ Passe Avant. أما عند نقطة العبور، فكان لكل عابرٍ مبلغ يُطلب منه، وهذه المرة تضاعفت المطالب بحجة انتهاء وقت العبور الرسمي!
كان واضحاً أن الجميع يبتغي نصيباً من المسافر، رغم قلة العابرين وتيسّر أغلب الإجراءات. وبعد أكثر من نصف ساعةٍ من الانتظار المضني، خرجنا أخيراً لنستأنف الطريق.
غير أن الطريق هذه المرة طال بنحو مائة كيلومتر إضافية؛ فمعبر «جاما» كان يختصر هذه المسافة، كما تكاثرت البلدات التي نجتازها، بانضمام «روصو بتو» إلى محطات الرحلة.
كانت وجهتنا تلك الليلة مدينة سينت لويس، حيث الشقق التي ألفنا النزول فيها ذهاباً، وأحياناً إياباً. وعلى امتداد الطريق، بدت الأشجار أكثر خضرة مما توقعنا، وحضر «الطلح» بكثافة على طريق روصو، قبل أن تتبدل ملامح المشهد ونحن نشق البلدات السنغالية، حيث تطالعنا أشجار «تيشط» وغيرها، تصطف على جنبات الطريق كأنها حراسٌ صامتون.
داكار… حين يتحول الطريق إلى ذاكرة
وفي داكار، لم تكن المدينة بالنسبة لنا مجرد محطة وصول، بل كانت امتداداً للحكاية. وخلال جولة لنا بمحاذاة الشاطئ في ضاحية أواكام، مررنا أمام واحد من أشهر معالم العاصمة السنغالية: نصب النهضة الأفريقية، المنتصب فوق تلة تطل على المحيط الأطلسي.
توقفت لحظة لالتقاط صورة للنصب؛ ذلك التمثال البرونزي الضخم الذي يجسّد رجلاً وامرأة وطفلاً صغيراً، في تكوين يبدو كأنه يرفع الأسرة الأفريقية نحو الأفق، حاملاً رمزية النهضة والأمل والتطلع إلى مستقبل أفضل.
يقف النصب فوق تلة ترتفع نحو مائة متر، وقد جاءت فكرته بمبادرة من الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد، وصممه المهندس المعماري السنغالي بيير غوديابي، فيما تولت شركة من كوريا الشمالية أعمال إنشائه. بدأ العمل في موقعه سنة 2006، وانطلقت أشغال التمثال البرونزي في 3 أبريل 2008، قبل أن يُفتتح رسمياً في 4 أبريل 2010، تزامناً مع اليوم الوطني للسنغال وتخليداً للذكرى الخمسين لاستقلال البلاد عن فرنسا.
ومن هناك، بدا النصب كأنه لا يقف على التلة فحسب، بل يقف بين الماضي والمستقبل؛ خلفه مدينة داكار، وأمامه المحيط الأطلسي الممتد بلا نهاية. صورة التقطتها للذكرى، لكنها بقيت في ذاكرتي أكثر من كونها مجرد صورة عابرة من صور السفر.
وفي طريق العودة، اعتدنا أن نقضي الليل في مطعمٍ بمدينة «اللوگة». وفي إحدى المرات، غادرنا داكار ظهراً، لنبلغ وقت المغرب مطعماً يقدّم اللحم وحليب الإبل.
هناك، اختار «الرئيس» أن يُعدّ الشاي بنفسه، عازفاً عن انتظار شاي النادل؛ فالكؤوس التي تدور بين المسافرين تلامس أفواهاً كثيرة قبل أن تصل إلى من ينتظرها! ولذا آثر «الرئيس» أن يصون طقوس شايه، وأن يتولى إعداده بيديه، ليقيم «الربس» ليلاً وصباحاً، على عادته التي لا تحيد.
وكان «الرئيس» يعرف الأرض وأهلها معرفة العارف، يكاد يحفظ الطرق والمسالك عن ظهر قلب، لكن رأيه لم يكن مسموعاً هذه المرة عند صاحب السيارة! فقد آثر السائق أن يسأل عن الطريق السيار، واضطر في النهاية إلى اصطحاب مسافرٍ سنغالي حتى أول مدينة، عساه يهديه السبيل.
وهكذا، لا تكون الرحلة إلى داكار مجرد انتقالٍ من نقطة إلى أخرى؛ فالطريق نفسه يغدو جزءاً من الحكاية، بما يحمله من معابر وإجراءات، ووجوهٍ عابرة، وقرى وأشجار، ومواقف صغيرة تبقى عالقة في الذاكرة أكثر من المدن التي نقصدها.
ولعل أجمل ما في السفر أن بعض التفاصيل الصغيرة، التي لا نعيرها اهتماماً لحظة وقوعها، تتحول بعد العودة إلى أجمل ما في الحكاية: كأس شاي أُعدّ بحذر، ورفيق يعرف الطريق ولا يُسمع رأيه، وشجرة طلح على قارعة الطريق، وصورة لنصب شامخ يطل على المحيط… كلها تتحول إلى علامات صغيرة على طريق الذاكرة.
إنها رحلة أخرى، بطريقٍ آخر، لكن الحكاية واحدة: فكل طريقٍ إلى داكار يترك في الذاكرة طريقاً جديداً.


