ثمن النزاهة.. سيرة كفاح من أجل الكرامة والعدالة وخدمة موريتانيا

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية الحلقة الأولى: تجربتي مع جامعة نواكشوط

الزمان أنفو (نواكشوط): تستحق تجربتي مع جامعة نواكشوط أن تُروى هي الأخرى.
في الفترة التي كنت أُدرّس وأحاضر فيها بالجامعة، كانت صلتي بإدارتها محدودة جداً، إذ كانت علاقاتي تتركز أساساً على الطلاب الذين كنت ألتقي بهم مباشرة لتقديم المحاضرات وتقاسم خبرتي ومعارفي معهم.
وكان تأخري أو غيابي عن المحاضرات نادراً جداً. وإذا حدث ذلك لأي سبب، كنت أحرص على تعويضه. بل كنت، عند الاقتضاء، أعيد للطلاب مصاريف النقل التي تكبدوها لحضور حصة لم أتمكن من المشاركة فيها.
لكن أكثر ما كان يشغفني ويؤثر فيّ بعمق هو رد فعل الطلاب مع اقتراب موعد محاضراتي.
كان مؤثراً بشكل خاص أن أرى طلاباً يتغيبون في كثير من الأحيان عن الدروس، ينتظرون، على العكس من ذلك، محاضراتي بشغف ونفاد صبر، ويترقبون قدومي بحماس.
وفي مناسبات عدة، عندما كانت إدارة الجامعة تواجه حالات توتر أو حركات احتجاج طلابية، كانت تستعين بي للمساهمة في تهدئة الوضع واستئناف الحوار مع الطلاب.
وعندما كنت أتوجه إلى الجامعة لتسوية النزاع، كان الطلاب يستقبلونني بفرح استثنائي، ويعلنون ثقتهم بي، بل كانوا يصلون إلى حد القول إنهم سيلتزمون بكل ما أطلبه منهم.
شهادة أخرى لافتة على تقدير الطلاب لأساتذتهم
من بين الشهادات التي تجسد بصورة بليغة تقدير الطلاب لأساتذتهم، أحتفظ بذكرى مبادرة أقدمت عليها إحدى دفعات المعهد للدراسات المهنية (IEP).
فقد بادر الطلاب إلى تنظيم سهرة في فندق مرحبا خصصوها لأساتذتهم، مع اهتمام خاص بي. كما أن حضور أولياء الأمور، الذين تمت دعوتهم بدورهم، منح اللقاء طابعاً احتفالياً ودافئاً وإنسانياً عميقاً.
لماذا كانت هذه العلاقة المتميزة والإيجابية والودية؟
في رأيي، يمكن ذكر الأسباب التالية:
1 ـ كنت أحب هذه الأجيال الشابة حباً عميقاً، وكنت أريد أن أساهم في ترك أثر إيجابي في حياتها.
كنت أرغب في أن أنقل إليها، ليس فقط المعارف، وإنما أيضاً الثقة بالنفس، وأن أساعدها على بناء مستقبلها.
2 ـ لم يكن الراتب يعني لي الكثير.
منذ اليوم الأول، قررت أن هذا الراتب لن يخرج من أسوار الجامعة، بل سيخصص بالكامل للطلاب: لطباعة وتوزيع الملخصات، والدفاتر والأقلام، والجوائز المخصصة لأفضل الطلاب في المواد التي أدرسها، إضافة إلى مساعدات ظرفية لبعض عمال الجامعة البسطاء.
ويجب الاعتراف أيضاً بأنني كنت في تلك الفترة مستشاراً دولياً ناجحاً، ولم أكن بحاجة إلى ذلك المال. فقد كان راتب الجامعة بالنسبة إليّ يعادل أقل من يوم واحد من دخلي المهني. ولذلك كان من الطبيعي بالنسبة لي أن أخصصه لمن هم أكثر حاجة إليه.
3 ـ لم يكن التزامي ينتهي عند تسليم الشهادات.
بعد انتهاء دراستهم، كنت أواصل مرافقة كل من يلجأ إليّ. وكنت أساعدهم، خصوصاً، في الحصول على تدريبات مهنية داخل الشركات، أو التسجيل في الجامعات، حتى يتمكنوا من مواصلة دراستهم والاستعداد بشكل أفضل لمستقبلهم.
ولا أريد أن أغادر الجانب الإيجابي من هذه العلاقة دون التوقف عند ثلاثة أحداث بالغة الدلالة.
الحدث الأول: طلابي يتفوقون على مرشحين يحملون شهادات أعلى
في المعهد للدراسات المهنية (IEP)، حيث بدأت التدريس منذ عام 1988 وما بعده، كنت أتولى تدريس القسم الأكبر من المواد، وخاصة المالية والمصارف والتحليل المالي والمصرفي وغيرها، وهي مجالات كان المتخصصون فيها آنذاك قليلين. وكان ذلك، بالمناسبة، هو السبب نفسه الذي دفع إلى استقدامي للتدريس.
وكانت الدراسة تمتد على سنتين.
وعقب الأحداث المؤسفة التي شهدتها البلاد سنة 1989، نظمت بنك UBD مسابقة لاكتتاب أطر سيتولون تنشيط خلية ائتمان أُنشئت لصالح الموريتانيين العائدين من السنغال.
وكانت فكرة إنشاء هذه الخلية قد صدرت في الأصل عن مكتبي، ومع ذلك لم تتم إشراك المكتب لا في تنفيذ المبادرة ولا في تنظيم المسابقة.
لكن أحد الأمور التي لا تزال تمثل بالنسبة إليّ مصدر فخر كبير هو النتيجة التي حققها طلابي: فالمرشحون الخمسة الذين تم اختيارهم في نهاية المطاف كانوا جميعاً من طلابي، ويحملون مستوى Bac+2، في حين كانوا يتنافسون مع مرشحين يحملون شهادات بمستويات Bac+4 وBac+5 وما فوقهما.
وكان هذا النجاح، في نظري، اعترافاً بليغاً بجودة التكوين الذي تلقوه، وبجدوى التعليم الذي حرصت على نقله إليهم.
الحدث الثاني: عندما أوقفتُ فتنة طلابية قبل أن تتحول إلى مواجهة
أما الحدث الثاني، فكان بالنسبة إليّ ذا أهمية استراتيجية ووطنية في آن واحد.
في أحد أيام أبريل 2010، أشعل خطاب غير موفق لوزيرين اثنين أجواء الجامعة، وأدى إلى خلاف بين طلاب ينتمون إلى مكونات مجتمعية مختلفة. وسرعان ما تصاعد التوتر إلى درجة بدت معها مواجهة حقيقية وشيكة، خصوصاً مع ظهور الأسلحة البيضاء.
وكان أحد طلابي قد أبلغني، في اليوم السابق للنزاع المقرر، بما يجري الإعداد له.
قررت حينها إعداد نص أصبح معروفاً بعنوان: «نداء أستاذ إلى طلابه»، ونُشر في 10 أبريل 2010، ولا يزال بالإمكان العثور عليه في موقع «كريديم».
وعند الموعد المحدد، ورغم التعب، توجهت إلى الجامعة، حيث كان جيشان من الطلاب يستعدان لبدء المواجهة.
وصلت وأنا أحمل رزمة من الأوراق: كانت هي ندائي.
وتقدمت نحو طلاب كانوا يحملون السكاكين والعصي والهراوات والحجارة. وفي مشهد يبدو حتى اليوم أشبه بحدث غير واقعي، تمكنت من انتزاع تلك الأسلحة منهم، ببساطة، في مواجهة أوراق تحمل نص ندائي.
ثم اصطحبتهم إلى مكتبي في «إيلوت C»، الواقع على مسافة تقل عن 500 متر من الجامعة التي كانت قد تحولت إلى ما يشبه ساحة معركة. وأدخلتهم إلى قاعة الاجتماعات الكبرى في مكتبي وجمعتهم فيها.
وبعد أن قدمت لهم الشاي والمشروبات حتى تهدأ الأجواء، وقفت وسط المجموعة التي كانت تملأ القاعة، وقلت لهم بصوت حازم:
«اقرؤوا ندائي بعناية. ناقشوا الأمر. اتفقوا فيما بينكم. أما أنا فلن أشارك في نقاشكم. لكنكم لن تخرجوا من هنا إلا وأنتم تمسكون بأيدي بعضكم، بأيدٍ متعددة الألوان، وأنتم تتعانقون».
وبعد ساعتين، جاء ممثلوهم للقائي.
وقالوا لي:
«لقد اتفقنا. سنوحد نقابتينا حتى نتجنب تكرار مثل هذه الخلافات».
فقلت لهم:
«اذهبوا الآن وقولوا ذلك معاً لبقية الطلاب وللصحافة».
إن ما حدث آنذاك تجاوز بكثير حدود خلاف جامعي عابر. ففي لحظة كان فيها التوتر يهدد بالتحول إلى مواجهة مجتمعية، استطاعت بضع أوراق، وحوار فُرض على الأطراف، وإرادة إعادة الصلة بين الطلاب، أن تحول دون وقوع الأسوأ.
وبعد مرور السنوات، أعتبر هذه الواقعة واحدة من أهم التدخلات في حياتي العامة والمهنية. وقد أكدت لي، قبل كل شيء، أنه بعيداً عن الوظائف والألقاب والمسؤوليات، تأتي أحياناً لحظات يتعين فيها على الإنسان أن يتحمل مسؤوليته ببساطة عندما تقتضي الظروف ذلك.
الحدث الثالث: «السيد الرئيس، إما أن تصلحوا الجامعة أو أتركها»
والحقيقة أنني، بما أنني لم أكن مكلفاً بالأعمال التطبيقية، وإنما كنت أقدم محاضرات في المدرجات فقط، لم أكن أستطيع معرفة المستوى الحقيقي لطلاب السنة الرابعة.
وفي أحد الأيام، وخلال محاضرة، طرحت، بشكل عفوي، سؤالاً من المقرر. وكان السؤال، في الواقع، من مستوى السنة الثانية في العلوم الاقتصادية. وكنت أتوقع بطبيعة الحال أن أحصل على إجابة.
لكن، ولدهشتي الكبيرة، لم يرفع أي طالب إصبعه.
طرحت سؤالاً ثانياً، ثم ثالثاً، ثم رابعاً، لأقيس فعلياً مستوى الحاضرين.
وكان الطلاب المائتان الذين يجلسون أمامي لا يملكون جواباً سوى نظرات شاردة.
فغضبت بشدة.
أوقفت الدرس فوراً وغادرت القاعة متوجهاً إلى رئيس الجامعة، لأطلب منه، للمرة الأولى والأخيرة، مقابلة. وقد منحني المقابلة فوراً.
عرضت عليه ما حدث، وأبديت له دهشتي العميقة، ثم قلت له بوضوح إنني لا أستطيع مواصلة تدريس طلاب في السنة الرابعة، بينما كان بعضهم لا يمتلك حتى المستوى الذي يمكن أن نتوقعه بشكل معقول من طالب حاصل على شهادة الدراسات الجامعية العامة (DEUG).
ثم عرضت عليه الخيارين الوحيدين اللذين كنت أراهما:
إما ألا يكون بالإمكان القيام بأي شيء لمعالجة هذا الوضع وإطلاق إصلاح حقيقي، وفي هذه الحالة سأستقيل.
وإما أن نبدأ فوراً التفكير في إجراءات عملية لإصلاح الجامعة.
وجرى بيننا نقاش طويل، مع رئيس جامعة كان، ولحسن حظي، يتفهم موقفي ومخاوفي. بل ذهب إلى حد القول لي إنه «يأسف لأنه عرفني متأخراً».
وفي ختام نقاشنا، اتفقنا على أمرين.
أولاً، تعهد رئيس الجامعة ببذل كل ما في وسعه لمعالجة الوضع والمساهمة في سد الثغرات التي تراكمت لدى الطلاب. وأعتقد أن هذا الالتزام لم يكن غريباً عن أيام التشاور حول إصلاح الجامعة التي انعقدت بعد ذلك بعام.
وثانياً، وفي انتظار ذلك، أخذت سنة للتفرغ.
وخلال تلك الفترة، أنجزت دراسة نشرتها تحت عنوان: «كيف نصلح الجامعة من أجل تنمية البلاد؟»
وقد أعدت تناول هذه الرؤية، خصوصاً، في كتابي «الديمقراطية والحكم الرشيد»، حيث تضمنت الدراسة عدداً من التوصيات التي وجدت بعضُها طريقها إلى التطبيق لاحقاً.
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس للمعهد الدولي للبحوث والدراسات الاستراتيجية 2IRES
14 سبتمبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى