الحكومة الجديدة قدت من قبل و قدت من دبر / الولي ولد سيدي هيبه

بين الرضا عن الحكومة الجديدة برئاسة يحيى ولد حدمين و بين السخط عليها خيط رفيع لا يراه إلا من تبنى عن وعي و تمعن موقفا اتسم بقراءة موفقة للمعطى السياسي بكل أبعاده و استطاع أن يجمع بين ضرورتي الموضوعية و أقل قدر من الوطنية من جهة و بين إرادة الأخذ بالنقد الجاد و البناء و التوجيه العقلاني المعين على وضع الأمور في نصابها من جهة أخرى.

ففيما أفصح الراضون عن مباركتهم للتشكيلة الحكومية الجديدة و مساندتهم التامة للوزير الأول الجديد بما ابدوا من ثقة في أن هذه الحكومة جائت في ظرف شهدت فيه البلاد تحولات سياسية طبعها دخول مستجدات جديدة منها وليس أقلها المعالجة المباشرة للقضايا ذات النزعة الحقوقية البحتة كالمسألة المتعلقة بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي اللذين تهددتهما: ·        نزعة التقليل من شأنهما. ·        ورفض الإصغاء إلى التيارات التي تبنتها بوصفهما قضيتين مصيريتين في دفتر أجندتهما الحقوقية النضالية السياسية الوطنية. كما أفصح هؤلاء الرافضون عن اعتقادهم بأن هذا المنعرج يتميز كذلك بمضاعفة محاربة الفساد والمفسدين والسيطرة أكثر على استغلال وتسيير مقدرات البلد وتوجيهها إلى البناء في عدالة تستند إلى “حكامة رشيدة” و “دولة قانون” منصفة. وأما الساخطون فقد عزفوا على وتر قديم جديد تلخص في أن الحكومة الجديدة بأغلب أشخاصها وما أفصحت عنه من برنامجها السياسي والتنموي لا يعدو كونه استمرار لما كان دون وجه من التغيير والتجديد وقد أكدوا من خلال إعلاناتهم وبياناتهم ومعالجاتهم أن الثوب لبس على ما كان قُد منه في القبل والدبر… و قد شهد شاهد الحال على ذلك حيث أن مسيرة البلد تراوح مكانها في الركود وأحادية التوجه. الأمر الذي يبين، من وجهة نظرهم، إلى أن التغيير ما زال بعيد الحصول وأن مطالبهم تحت سقفه مازالت قائمة تتطلب مزيدا من النضال والحراك السياسي القوي الذي لا بد في ظل المتغيرات الدولية  المتسارعة إلى انتشار الديمقراطية و اندحار كل الأساليب المجافية لطرحها و حكمها بفضل ما يتحقق من انتصارات “أنسنة” المعطى السياسي و وحدة التوجه إلى سلطة القانون المطلقة. و ما انخراط المناضل الحقوقي برام ولد الداه ولد اعبيدي في العمل السياسي مؤخرا و مشاركته في الانتخابات الرئاسية المنصرمة إلا تحولا في هذا الاتجاه بإملاء من قوته و انتشار نزعته مهما تمنعت بعض التيارات عن الاعتراف والقبول بذلك و محاولة الوقوف بجمود لتنفيذ أجندة محددة و منع السير مع التيار. و لا يعني ذلك، كما يروج البعض، أن العمل السياسي قضاء على العمل النضالي الحقوقي بل إنهما عملان متكاملان. فبينما تضفي السياسة على النضال الحقوقي بعضا من هدوئها و نبذها للعنف، فإن المنطق الحقوقي يضفي على السياسة أشكالا من صدق العمل و نزاهة الطرح. هو إذا تكامل بنيوي تحتاجه السياسة المضطربة عندنا و في هذا الظرف أكثر من أي وقت مضى. و ليس التحول الذي يشهده منذ فترة حراك منظمة “افلام” باتجاه أقل حدة و من داخل الوطن كذلك و على المكشوف إلا تحولا جذريا في النهج و استغلالا للسياسية قناة تقرب إلى الحلول السلمية و تغذي التيارات الفكرية و السياسية المنادية بتحقيق الوحدة الوطنية و ضمان السلم الأهلي أسوة بأمم عديدة تخطت حاجز الانقسامات العرقية والفوارق الطبقية. و لا شك أن الظرفية الحالية المتميزة بهذه التحولات الكبرى و التي لم يسبق للوطن عهد بها بالرغم من وجود و تفاعل كل أسباب الإشارة إليها، فإن مصاحبتها و الأخذ بمقتضياتها لا يتطلب إلا قدرا من الشجاعة الأدبية للاعتراف بالنواقص بكل أشكالها و أحجامها حتى تتضح المنطلقات الجديدة. و إذا كان صحيحا بأن الكلام بهذا المعنى لا يتطلب كبير جهد و أن العمل بمضمونه يستدعى همة عالية و استدبارا للمعوقات التقليدية السياسية و الاجتماعية و كسر الجمود للقيام بما يمليه الواقع المرتبك. و تظل قبل و أثناء و بعد كل ذلك محاربة الفساد في كل أوصال الدولة أول الطريق إلى الإصلاح الشامل و بناء إدارة محايدة و إشاعة العدالة التي لا لون و لا قبيلة ولا حزب لها. و تعني مكافحة الفساد و الضرب على أيدي المفسدين و إزالة مظاهرها البادية في التبيان الطبقي في المجتمع أول ما تعنيه التسيير المعقلن لكل خيرات البلد بواسطة الكفاءات المناسبة من كل أبنائه في كل مفاصل الدولة و الحفاظ على المال العام لبناء عدالة مجتمعية تلغي الغبن و الإقصاء و تعد الأجيال الحاضرة و القادمة لتحمل مسؤولية كاملة في ظل دولة القانون القوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى