رحيل باب ولد معط : خسارة نصاب

آلمني كثيرا نبأ رحيل الأستاذ والفقيه باب ولد معط، لكن هذه سنة الله في خلقه، ” إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَاتَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”، إنا لله وإنا إليه راجعون، فله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى.

فنسأل الله أن يتغمده برحمته وأن يدخله فسيح جناته وأن يلهم أهله الصبر والسلوان وأن يشفي جميع مرضى المسلمين.

رحيل الفقيه باب ولد معط خسارة للوطن، الذي عرفه متنقلا بين مدنه وقراه وأريافه، ناشرا للعلم وللمعرفة، رفقة علماء استشعروا فيه كبر الهمة وتواضع العالم، فكان خير رفيق لهم في رحلاتهم وندواتهم.

لقد عرفه مستمعو إذاعة موريتانيا فقيها وداعية ومعلما متقنا لأحكام التركة، فقد كان فقيها متخصصا وداعية ظريفا ومتواضعا، مدركا لطرق التأثير في نفوس مستمعيه، فوصلت كلماته ودعوته إلى ملايين متابعيه، فأحبوه وتعلقوا به.

الفقيه باب هو نجل معْطَ، الذي سماه الراحل عبد الله ولد عبيد ب”همدي المجرية” وساعده على تحقيق ذلك اللقب، كما روى لي الراحل، فكان فعلا إحدى أهم شخصياتها وأعيانها المعروفين، ففي حضنه نشأ وتربى فقيهنا باب، فتعلم منه محبة الناس وخطاب الاعتدال وحسن السلوك وزاد عليه بالارتباط بالعلم والعلماء.

من تلك المدينة ومن سفح جبلها انطلق الراحل ليملأ سماء الوطن علما ومحبة، فكان له أنصاره ومحبيه في ركن من أركان هذا الوطن العزيز، فرحيله خسارة للوطن ولكل محبي العلم والاعتدال.

تخرج باب ولد معط من مدرسة المعلمين بالعاصمة نواكشوط، وحول معلما إلى قرية شوم، الواقعة في الشمال الموريتاني ومحطة القطار الشهيرة الواصلة بين ازويرات ونواذيبو، فكانت له قصص ظريفة مع حاكمها العسكري، جعلت هذا الأخير يحتضنه في بيته مع زملائه المحولين من جديد، بعدما قدم له مجلات وكتب لها علاقة بفكره الإيديولوجي.

انتقل باب ولد معط، بعد ذلك بسنين، للدراسة في كلية الشريعة بالرباط، فأمتدت إليه يد المخابرات وحاولوا طرده،قبل إتمام دراسته، لكن يد المرحوم الدي ولد سيدباب امتدت إليه وأنقذته وعاد للكلية لإنهاء مشواره التعليمي في ظروف طبيعية وجيدة .

ألتقيت به يوما في مدينة نواذيبو، فسألته عن مهمته، فقال لي بكل تواضع “أنا هنا مجرد رفيق مساعد لبعثة جمعية علماء موريتانيا”.

عرفته منابر الإعلام الرسمي والمساجد وهيئات الأمم المتحدة داعية وفقيها مزدوجا، يتقن اللغتين العربية والفرنسية، متخصصا في التركة وداعيا إلى الله، متمسكا بقيم هذا الدين، فذاع صيته وأحبه الناس.

لم يسلم الراحل باب ولد معط من مضايقات وتهميش السلطة، فقد عانى من جفائها، بعد الإطاحة بنظام ولد الطايع وحاولوا تغييب صوته المعتدل، فخلت الساحة أمام متطرفي فقهاء إيرا ومن يدور في فلكهم، فكان ذلك خطأ جسيما، ما زالت الدولة والشعب يدفعان ثمنه.

بعد ما اشتد مرضه وساء وضعه الصحي وشاع أمره بين الناس، بادرت السلطات إلى المساعدة في نقله إلى تونس للمعالجة وتكريمه من خلال تعيين إبنه الدرديري عضوا في مجلس الفتوى والمظالم، وهي مبادرة تذكر فتشكر.

روى لي يوما أنه سأل أحد حكماء هذه البلاد “كيف سيكون الأمر إذا حضر كل عناصر شريحة الحراطين ولم يحضر هو ؟”، فأجابه الحكيم “لن يكتمل النصابُ”، فها هو الوطن اليوم يخسر ذلك النصاب والقامة الفارعة في مجال فقه التركة والاعتدال والدعوة إلى الله ومحبة الناس.

فنسأل الله له الرحمة والمغفرة وللوطن مزيدا من الرخاء والاستقرار.

 

بقلم سيدي ولد سيد أحمد

           

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى