الأدب في بلادي يتيم يتلقى العزاء /محمد عبدالله محمدالفتح

 

altالزمان انفو ـ عبدالله محمدالفتح

رحل الأخ والصديق الشاعر الشيخ ولد بلعمش عن دنيانا فجرأمس الجمعة،8دجمبر 2017 وأقيمت صلاة الجنازة على جثمانه بمسجد قباءبمدينة نواذيبو،وفي نواكشوط أيضا قبل أن يوارى الثرى في “مدفن سعيد” الذي يحتضن مئات المتصوفة الأفاضل من مريدي الطريقة التجانية.غاب الفقيد مخلفا الأدباء في بلاد المليون شاعر وآلاف المظلومين والفقراء يتامى يتلقون العزاء.

وكنت قد استيقظت صباح هذه الجمعة الحزينة على صوت الهاتف يرن بشكل مزعج،لم يكن صوت المنبه كالعادة، فإذا به أحد الأصدقاء يتصل من مدينة نواذيبو ليبلغني الخبر بعد تحية مقتضبة..”أخوك وصديقك الشيخ ولد بلعمش رحم اعليه”.

نزل علي الخبر كالصاعقة،ومر سيل من الذكريات بخاطري وأنا أتمتم “اللهم ارحمه واغفرله وارحمنا إذا صرنا مثله”.

كان صوت الراحل الشجي، المعبر عن رفض القهر والذل والهوان، لايزال يتردد في ذاكرتي

من قصيدته ” قرار بقتل الخوف”:

وما قوَّة الطغيان إلا بضعفنا ــــــــــــــــ وما صَبَر المظلوم إلا تعوَّدا.

 و..

كسرْتِ قيودَ الأربعين وقدْ كفى ـــــــــــــ بِقابيل ظُلماً ما اسْتَباحَ وبَدَّدا

إذا الرأي ممنوعٌ و نطقي جريمَةٌ  ــــــــــــ وإنْ قُلتُ حَرِّرْني تقول غداً غَدا

فكيف تعود الأرضُ يوماً لِأهلها ــــــــــــــ وَ هَا رَجُلُ التحرير عاشَ مُقيَّدا؟

وكيفَ أخي الإنسان هانتْ كرامتي ــــــــــــــ عليْكَ فلا مَنّاً تُريدُ وَلا فِدا؟

سأخرُجُ منْ قبري و أَبْسَمُ للضُّحى ــــــــــــــ وأَرْفُضُ قَهْري والهَوانَ المُؤبَّدا

قرارٌ بقتل الخوفِ ما عنْهُ رجْعَةٌ  ـــــــــــــــ فقدْ غصّتِ الساحاتُ و ارْتفع النِّدا

 

 

كان الفقيد محبا لرحمه بَرا بوالدته، وبذكرى والده القاضي محمد ولد بلعمش العلوي. و خلال زياراتي لمدينة نواذيبو التي التقيته بها كثيرا منذ عمل مهندسا بالشركة الوطنية للصناعة والمناجم كنت ازوره في منزله من آن لآن فأجده بشوشا كالعادة مرحبا، ويلومني على طول الغياب، وكثيرا ما دعاني لزيارة بعض الاقارب والاصدقاء.عرفته محبا للخير مؤمنا صابرا محتسبا وصالا للأرحام ومحبا لمريدي ومشايخ الطريقة الصوفية التجانية، التي كانت يعتنقها.

كان كثيرا ما يحدثني عن أشعاره التي كان أغلبها انتصارا للمظلومين والضعفاء وتسجيلا لمواقفه من جميع قضايا الأمة كالقضية الفلسطينية، وقد كنت اتبادل معه الآراء وكان يهمه أن يسمع تعليقاتي منذ بدأ ينشر على صفحته الشهيرة على الفيس بوك. أهداني مسودة ديوان الأول، الطافح بحرفه المنحاز لقضايا البلد والأمة، كما كان يهدينا عبر صفحته على الفيس بوك، وعبر الواتساب صوته المسجل لمواقفه النبيلة، وتراتيله، وبعض مراثيه ومديحه  للرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم:

على طرف المقهى عصاي وحسرتي

أحدَق في نفسي وروحي المخيَم

فلا توقدوا جمر الأراجيل إنما فؤادي بهذا الشوق نار جهنم

ثلاثً وستون اكتويت  بنارها

فلم يبق منَي غير قلب محطَم

يسائلني الأطفال عن سفح قريتي

وعن كرمنا الباكي ومعنى التشرذم

أوصيهم عمري بمفتاح بيتنا

فلابد يوما من رجوع مكَرم

ــــــــــــــــــ

إلى حيَنا يوما سنرجع يافتى

ونكتب للزيتون في كل موسم

أنا قصة النزف القديم أنا الأسى

أنا شعلة الإيمان والصبر فافهم

بكيت فلسطينا وما أكثر البكا

وما أكثر الإخوان عند التكلم

ــــــــــــــــــــ

ويمتلؤ الأقصى دخانا فلا أرى

 سوى لوحة الأقصى وسورة مريم

وترجعني الذكرى لآخر ليلة

رأيت بها جذَي من القصف يحتمي

ـــــــــــــــ

 

 

 

 صبيحة الجمعة بدأت بالإتصال لأبلغ الخبر للأهالي علَهم يدعون له بالرحمة ويشاركون في الصلاة وتشيع الجثمان.

كان صديقي أحمدو ولد علي يمدني بالأخبار منذ وصل المستشفى في حي “كاصادو”، قبل أن أتواصل مع الأخ دبلاهي ولد جدين الذي كان معه حتى ساعة متأخرة من الليل في منزله، وتركه معافى لايشكوا من شيء، قبل أن يطرق عليه بابه الساعة الرابعة من يبلغه بأن الفقيد مصاب بوعكة صحية، ليهرع إليه وياتي بسيارة إسعاف نقلته ليوافيه الأجل المحتوم بعد نصف ساعة ـ الرابعة والنصف ـ  في المستشفى. لا نقول إلا ما يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

لقد عشنا بالأمس جمعة حزينة،غيبت شاعر الأمة الشنقيطي العلوي، ابن الخالة آسية بنت أجيون، الذي كان خير مدافع عن الفقراء والعمال,كما كان صوته صارخا ضد الظلم والتهميش، لا يخاف في الله لومة لائم. ألفناه مشنفا مسامعنا في كل مناسبة وطنية كانت أو دولية، مدافعا عن المظلومين ومدليا برأيه مستغلا بصيرته الثاقبة في مساندة المظلومين والمقهورين، وفي الوقوف إلى جانبهم، والذود عن القضايا العادلة بالحرف الذي شهد القاصي والداني بروعته وبعده عن محاباة الحكام والسلاطين، وقد بقي ديوان “بريد الراحلين” شاهدا على أن صوت الشيخ لم يرحل وبقي شعره الباهر القوي بيننا، وإن لم تستطع روحه الأبية الطاهرة أن تصمد في وجه الطغيان الذي يشهده عالمنا،أو ربَما حسرة وحزنا على ما حلَ بالقدس الشَريف، و”الأمة” التي كان يردَد دوما بأنها لاتموت طالما بقيَت كلمة التوحيد، فآثرت الرحيل فسلام عليها يوم ولدت ويوم غابت عنا ويوم تبعث، وتعزية للأمة العربية بأدبائها ومطحونيها الذين أصبحوا يتامى يتلقون العزاء.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى