من “محطات رحلتي إلى الطب” للدكتور”حم” (الحلقة5،و4)

الحلقة الخامسة (ما قبل الأخيرة) من "سلع ملع"، تأتي تلبية لرغبة أحد الأصدقاء الذي طلب مني الحديث عن حقبة الثانوية. فقمت بدراسة "معمقة" لتلك الحقبة و قررت الحديث عن السنة الرابعة، شعبة الرياضيات. ذلك أن نهاية تلك السنة شهدت أول منعطف في إتجاه دراسة الطب.

الزمان أنفو ـ هذه المقتطفات الممزوجة بالنكات قسمها دكتورنا الأديب “حم” حفظه الله إلى حلقات وسماها “سلع ملع” وهي كناية قلة الحلقة ترغيبا – ربما – في مايأتي من القصة التي تشي بأنها ستكون سيرة ذاتية موثقة جديرة بالقراءة..تحكي عن طريق شاق لطفل أصبح طبيبا وإنسانا ناجحا يشار إليه بالبنان ضمن القلائل الذين جمعوا الكثير من الخصال الحميدة دون ان يؤثر ذلك على نجاحهم في حياتهم وتفوقهم في مهنتهم، وذللوا الصعاب بإرادة قوية وعزيمة لاتلين.. وتتميز بوجود وثائق مهمة ربما تنفض الغبار عن تلافيف ذاكرة البعض من زملاء وأصدقاء الدكتور، ليكتب لنا هو أيضا عن “أطار” مسقط رأسه وعن ولاية آدرار ما يشفي غليل هواة الرواية والقص..مبروك لنا وللدكتور هذا المولود الجديد.
الحلقة 4:

المدرسة رقم 1 بأطار: بداية المشوار
من عادة الأهالي في أطار قبل الخلود إلى النوم أن يعدوا العدة لشاي الصباح. يضع رب الأسرة أو أحد الأبناء فرنا صغيرا عليه الفحم و بعض قطع من الكاغط وعلبة من عيدان الثقاب (علمت allumettes) و فوقه “مغرج” به ماء. يبادر أول المستيقظين لصلاة الصبح بإشعال الكاغط و إحراق الفحم و يضع “المغرج” فوق النار قبل الذهاب إلى الصلاة.
في طريق العودة يمر بأحد الحوانيت أو فرن المرحوم “اكرين” لاقتناء الخبز الساخن. و عند رجوعه إلى البيت يكون “المغرج اطلس اسبولتو”.
فطور الصباح في تلك الربوع موحد: الشاي الأخضر المنعنع مع الخبز (الحطب أو الكهرباء)، يقدمان قبل اكتمال “امخيظ” الشكوة و ما ستجود به من “ازريق اكويرات” و الزبدة التي ستحفظ لتستخرج منها لاحقا كمية من “دهن آدرار” و توفر للأطفال ما يسمى “عيش الذوابه”.
في العادة، لا يوقظ الأطفال إلا بعد أن يقدم “البراد الأول”.
صبيحة ذلك اليوم من أكتوبر 1975، استيقظ الجميع باكرا و لبسنا الجديد من الثياب و توجهنا ـ سيرا على الأقدام طبعا ـ في ما يشبه المسيرات صوب المدرسة رقم 1، حيث كان في استقبالنا الوالد المرحوم “محمد ولد الحيمر” مدير المدرسة آنذاك.
اليوم الأول، مخصص عادة لتسجيل التلاميذ ثم توجيهم إلى أقسامهم و النداء بأسمائهم.
بعد عودتنا من أول يوم دراسي، سألت إحدى الوالدات ابنها ماذا درست اليوم؟ فرد: حاضر، غائب، حاضر، غائب….
الدخول إلى قاعات الدروس، له طقوس، أظنها اختفت من عادات تلامذة اليوم: يدق الجرس، فيصطف التلاميذ أمام الأقسام، صفان للأولاد و صف للبنات. يقف المعلم مرددا عبارة:
ـ مد: فيمد التلميذ يده اليمنى و يضعها علي منكب زميله الواقف أمامه.
ـ سدل: ينزل التلميذ يده ضاربا بها فخذه في حركة “شبه عسكرية” سريعة و قوية.
ـ تقديم: يقدم التلميذ ساقه اليمني.
ـ تأخير: يرجع ساقه.
يكرر التلاميذ هذه الحركات عدد ما شاء المعلم، قبل أن يأذن لهم بالدخول إلى الفصل و يبدأ عادة بصف البنات.
يدخل التلاميذ بهدوء و نظام كل يعرف وجهته (طاولته) المحددة و التي سيمضي عليها عامه الدراسي إذا لم يعاقب بسبب التشويش فيحول إلى مكان آخر.
يعين المعلم من بين التلاميذ رئيسا للقسم، يكون بمثابة نائبه، يراقب في حال خروج المعلم و يسجل أسماء المشوشين و يشكل فرق النظافة التي تقوم على نظافة الفصل يوميا قبل حصة المساء.
المستلزمات المدرسية كانت غاية في البساطة: دفتر أو اثنان من فئة 32 صفحة لأبناء الكادحين ومن 50 صفحة لأبناء المتوسطين و 100 صفحة للأغنياء. أما ال200 صفحة فلا يقتنيها إلا “حد حد”. بالإضافة إلى عشرين عودا صغيرا و نفس العدد من أغطية قوارير المشروبات الغازية، يستعملها الأطفال أثناء تعلم الحساب بالإضافة إلى قلم أزرق من ماركة “بيك” (Bic). و لوح ( ardoise) و طبشور أبيض.
أبناء الأغنياء “البطارين”، و هم قلة قليلة آنذاك، عندهم أقلام ملونة، عادة تكون شبه “وقف” و يستخدمها كل من احتاجها و قد “ينساها” أحدنا في أدواته و “اتعود عين بيظاء”.
يخرج الواحد منا صباحا، و معه قطعة خبز “ميدومة” بزبدة “اكويرات”، يأكلها في الطريق و في جيبه خمس أو عشر أواق يشتري مقابلها من “أمبورو صوص” أثناء استراحة العاشرة من إحدى المغفور لهن : أدويده و مريم كيتا و توت محمد المختار.
كان برنامج السنة الأولي سهلا نسبيا على شخص لديه رصيد من القرءان الكريم مثلي: قراءة الحروف و كتابتها، بالإضافة إلى بعض العمليات الحسابية البسيطة.
لاحظ معلمنا، إسلم ولد أبيه أن مستواي لا بأس به (أي أنني “فيس” بلغة أطفال اليوم)، فاقترح على الإدارة و كذا الوالدة أن أنتقل إلى السنة الثانية. بالطبع لم يكن لي رأي في الموضوع. ذات يوم، بعد عودتنا من استراحة العاشرة، جاء مراقب و
و ادركت شهرزاد الصباح ، فسكتت عن الكلام المباح ..

الحلقة الخامسة (ما قبل الأخيرة) من “سلع ملع”، تأتي تلبية لرغبة أحد الأصدقاء الذي طلب مني الحديث عن حقبة الثانوية.
فقمت بدراسة “معمقة” لتلك الحقبة و قررت الحديث عن السنة الرابعة، شعبة الرياضيات. ذلك أن نهاية تلك السنة شهدت أول منعطف في إتجاه دراسة الطب.
السنة الرابعة : تسعة تلاميذ
كنا تسعة (رهط)، تلاميذ فقط. افتتحت الإدارة القسم، على أمل أن يزداد العدد ببعض القادمين من أزويرات، انواذيبو و اكجوجت. لكن ذلك لم يحدث، و أكملنا سنتنا الدراسية بذلك العدد: ثمانية أولاد و فتاة واحدة : المهندسة النوها عباس.(كان أساتذتنا الفرنسيون يكتفون بندائها “مدمازبل” (Mademoiselle) دون الحاجة إلى ذكر اسمها. و قد رافقها هذا اللقب في السنوات الموالية (مع وجود بنات سيد باب معنا: الأمينة و أمريم ثم المرحومة عيشة في سنة الباكلوريا).

من أساتذتنا لتلك السنة:
– الفرنسية: المرحوم عبد الرحيم ولد يوره، رجل لبق، أنيق، ملكه الله ناصية اللغة الفرنسية، يفعل بها ما يشاء.
– الانكليزية: “انكروما” من غانا ثم الساحلي من ليبيا.
– التاريخ و الجغرافيا : عبد الرحمن يعقوب. و كان متخرجا للتو أستاذا مساعدا. لم يكن يكبرنا بكثير، و كان يعاملنا كأصدقاء. و هو أستاذ مزدوج بمعنى الكلمة. يدرس مادته باللغتين، العربية و الفرنسية و يكتب بكلتا يديه. التقيته في تونس، حيث أكمل دراساته العليا، ثم استقر به المقام مدرسا بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بسوسة.
– الرياضيات : لونيسي المختار من تونس.
– الفيزياء و الكيمياء: كريستيان ديراند من فرنسا (Durand Christian ).
– العلوم الطبيعية: الهادي منجاع.
– التربية الإسلامية: محمد الأمين
– العربية : محمد المصطفي.
و نظرا لقلة التلاميذ (9)، سقط الكثير من الحواجز بيننا مع الأساتذة. كنا “مداخلين ” أكثر من اللازم. أذكر أن أستاذ الفيزياء، كان يسمح لنا بالتدخين داخل القسم، بل كان يضع علبة سجائره “دونهيل” Dunhill تحت تصرفنا.
في نهاية السنة، كنا أمام خيارين: الانتقال إلى نواكشوط لمن يريد المتابعة في شعبة الرياضيات أو التحول إلى شعبة العلوم الطبيعية.
و نظرا لعدة اعتبارات، منها الاجتماعي و الاقتصادي، قررت الوالدة أن أتحول إلى شعبة العلوم الطبيعية و أتجنب بذلك “اتعوري ” في مدينة نواكشوط. وقع نفس الشيء لأخي عالي حوبة (مهندس تخرج من ألمانيا، مدير حاليا في شركة الكهرباء سوملك ) و الأخت النوه عباس (مهندسة في شركة اسنيم).
هذا التحول “القسري” من الرياضيات إلي العلوم، كان أول خطوة، من بين أخريات هيأها لي القدر, من حيث لم أخطط، ليكون مصيري إلي الطب.
لم أكن أحب الطب، بل كنت أخاف من رؤية الأطباء، و كنت حين أمر من أمام مستشفي أطار، أجعل شخصا بيني و بين سور المستشفي. الذكرى الوحيدة العالقة في ذهني من تلك البناية المخيفة، هي صورة المرحوم “أ” الذي يعرفه جميع أبناء المدينة من جنس الذكور، لأنه أجرى لهم عملية الختان.
و أدركت شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح

موعدنا الجمعة القادمة بإذن الله الدكتور الإنسان حم
اضغط لزيارة صفحة الدكتور على الفيس بوك

لقراءة الحلقات السابقة:

حلقات من “محطات رحلتي إلى الطب” للدكتور”حم” ولد عبدالقادر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى