أبيات محمد ولد أحمديورة وتداعياتها بحلب

الزمان أنفو (نواكشوط): في واحدة من أجمل اللحظات الأدبية التي جمعت بين الشمال والجنوب، وبين ذاكرة الشعر الشنقيطي وأصالة حلب العريقة، تعود إلى الواجهة قصةٌ فاتنة بطلها الدكتور الشيخ ولد دومان، أحد الكوادر الموريتانيين الذين درسوا في سورية، وتحديداً في جامعة حلب. كان الشيخ – كما يشهد له معارفه – مثالاً في الجمع بين العلم والخلق والأدب الرفيع.
جلسة حلبية… وبداية الحكاية
في إحدى أمسيات حلب عام 2010، اجتمع الدكتور الشيخ ولد دومان بجماعة من كبار الشعراء والنقّاد في جلسة أدبية تعبق بتاريخ المدينة التي احتضنت المتنبي وسيف الدولة وروائع الشعر العربي. وبما أنّ ضيفهم جاء من “بلاد المليون شاعر”، فقد ألحّوا عليه أن يسمعهم نموذجاً من شعر الشناقطة.
ورغم محاولته التملّص – تواضعاً وخشيةً من الدخول في نقاش نقدي أمام محترفين – اشتدّ الطلب عليه، فاختار على عجل أبياتاً للشاعر العلامة محمد ولد أحمد يوره، تحمل شحنة وجدانية عميقة وصوراً شعرية آسرة. وما إن ألقى الأبيات حتى تحوّلت الجلسة إلى دهشة جماعية؛ وقف الحاضرون إعجاباً، وطلبوا إعادتها مرات، وتداولوها بانبهار كأنهم يكتشفون كنزاً قادماً من الصحراء الشنقيطية.
شيخ الشعراء في حلب… معارضةٌ تولد من الدهشة
لم تنتهِ الحكاية عند انفضاض الجلسة. ففي صباح اليوم التالي، تلقّى الدكتور الشيخ ولد دومان اتصالاً من الشاعر الحلبي الكبير محمد هلال فخرو (رحمه الله)، أحد أعلام الشعر في المدينة. قال له إنه لم يذق طعم النوم تلك الليلة، فقد باتت أبيات أحمد يوره تتردد في خاطره، وإنه ألهمته لكتابة معارضة شعرية خاصة.
اجتمعوا مجدداً باكراً في أحد مقاهي حلب، وهناك قرأ فخرو أبياته الجديدة، وسط إعجاب كبير وثناء من الأدباء الحاضرين. ثم تتابعت المعارضات من شعراء آخرين في الأيام التالية، حتى أصبحت تلك الأبيات الشنقيطية حديث المجالس الأدبية.
الشيخ ولد دومان يدخل الحلبة… “الأقربون أولى بالمعروف”
وبعد أن رأى الدكتور الشيخ هذا التفاعل الطاغي من شعراء حلب، قال مازحاً: “الأقربون أولى بالمعروف”، وقرر أن يعارض الأبيات هو أيضاً، رغم إصراره على أنه لا يصنّف نفسه شاعراً. فجاء بنص جميل حمل روح الأبيات الأصلية ونَفَسَ الصحراء ودفءَ الحنين، فحظي هو الآخر باستحسان واسع وتداول لافت.
من الأبيات إلى الفعالية… ومن المقهى إلى النقابة
بلغ صدى تلك القصائد حدّ أن نظّمت نقابة المهندسين بحلب أمسية خاصة حملت عنوان:
“أبيات الأبيات للشاعر الشنقيطي محمد ولد أحمد يوره وتداعياتها في حلب”.
شارك في الأمسية شعراء ونقاد كثر، في مقدمتهم الشاعر السوري المعروف محمد بشير دحدوح (النابغة الرندي)، كما أُطلقت دراسات نقدية حولها، من بينها دراسة متميزة للناقد الفلسطيني زياد مغامس، تناولت عمق التجربة وإيحاءاتها الفنية.
لحظة التقاء ثقافتين
لم تكن القصة مجرد لقاء عابر، بل كانت مثالاً على قدرة الشعر على ردم المسافات بين حلب وشنقيط، وعلى أن الوجدان العربي – مهما تباعدت البلدان – يلتقي عند لغة واحدة ونبرة واحدة ودفقات إحساس واحدة.
لقد حمل الشيخ ولد دومان إلى حلب قصيدة من عمق الصحراء، فعادت إليه وقد أثمرت عشرات القصائد والقراءات والنقاشات.
وفي الصورة المرفقة:
من اليمين إلى اليسار: الشاعر الحلبي الكبير الراحل محمد هلال فخرو، الدكتور الشيخ أحمد ولد دومان، الباحث السوري د. محمد الراشد، والواقف خلفهم الشاعر محمد بشير دحدوح (النابغة الرندي) –
