متى نفهم التاريخ و متى يفهمونه!؟ / سيدي علي بلعمش

الزمان أنفو _ تعقيبا على مقال الدكتور أعلي ولد اصنيبه تحت عنوان “كان مشروع افلام تحويل موريتانيا إلى سينغال ثاني” ، بتاريخ 2025/12/04 ، نستخلص بوضوح و لو من بُعد نيف و ستين عاما ، أن البيظاني أداروا عملية بقائهم في هذا الحيز ـ في أصعب ظروف ـ بذكاء خارق رغم استهتارهم و لا مبالاتهم بأمور كثيرة ذات صلة !!
انتهى الاستشهاد .
و رغم اتساع أراضيها و قلة شعبها و أطماع فرنسا و المغرب و السنغال ، ما زالت موريتانيا اليوم أكبر من الثلاثة و ما زالت أطراف دولة المور المغتصبة تؤكد يوما بعد يوم ، استحالة أي استقرار دائم في المنطقة ، ما لم تستعِدْ كامل سيادتها على أرضها من اندر إلى أزواد إلى الصحراء الغربية ، في شكل اتحاد أول دول أو كونفدراليات (تلك أمور داخلية لن يصعب حلها على من تجاوزوا تكالب كل دول المنطقه ضدهم ، تحت مظلة المستعمر)..
لقد أفشل الموريتانيون مشروع السنغال و فرنسا و أفشل الصحراويون مشروع المغرب و أفشل الأزواديون مشروع مالي ..
كانت صعوبة هذا المشروع في حماية فرنسا لكل أطرافه .
و بصبر البيظان و طول نفسهم و رباطة جأشهم و عمق جذورهم في تاريخ المنطقة ، استطاعوا أن يَثبتوا بقوة و عناد أمام كل هذه المؤامرات ..
و مع أن المغرب كان صناعة فرنسية و “شقيقتها” السنغال ما زالت تحت التصنيع الفرنسي ، كانت فرنسا و السنغال أكثر من وقف في وجه الأطماع المغربية في موريتانيا !!
و كان المشروع الفرنسي السنغالي في منتهى الوضوح ؛ اجتياح موريتانيا بأعداد هائلة من السنيغاليين و هيمنة مُزارعيهم على كل الضفة و تحكم فرنسا في معادنها و ثروتها السمكية و طرد البيظان إلى الصحراء في أقصى الشمال ..
كانت كل المعطيات المنطقية تؤكد سهولة هذا المشروع لامتلاك أصحابه كل وسائل طموحهم المادية و البشرية ، لكن جهلهم بالبيظان و بتاريخهم حَوَّلهم جميعا إلى أقزام و حوَّل مشروعهم إلى سراب ..
تم رسم حدود دول المنطقة من قبل المستعمر على مقاس غاياته لتفجير أي نزاع أو حرب أهلية أو بينية ، متى شاء .
و بعد اكتشاف المستعمر لعنادهم و صلابتهم و تمسكهم بقيمهم و ثقافتهم ، تم توزيع المور على كيانات هجينة (بعد قتل كابولاني) ، لتسهيل تمرير مشروع فرنسا لاحقا ، بعد ترسيم خرائطها و ترتيب أوراقها المبعثرة بسبب هزائمها المريرة في الجزائر و فييتنام ..
كانت مواجهة البيظان مع المستعمر ـ رغم استعانته برُماتهم ـ جعلتهم يزدرون بالسنغال .
و كان السنغاليون بسبب ارتمائكم في أحضان المستعمر ، يزدرون بالبيظان ..
و ظل ذلك الشعور يكبر مع الزمن من الطرفين حتى أصبحنا في بلدين جارين يستحيل أن يحترم أي منهما الآخر ..
كانت عقدة المغرب بالغة الأثر في نفس المرحوم المختار ولد داداه و ربما كان للتحريض الفرنسي دور في ذلك ، فجاء من سينلوي بإدارة كاملة من الفرنسيين و السنغاليين و أوكلت فرنسا لهذه الإدارة مهمة تنفيذ مشروع الهيمنة على موريتانيا و بدأ طوفان الاحتلال الممنهج على يد سينغور و برعايته .
و يُعرف عن سينغور بغضه للفولان فأراد رمي العصفورين بحجر واحد : احتلال موريتانيا و التخلص من ورطة الفولان ؛ لنجد أنفسنا على حين غرة ، أمام احتلال مكتمل الأركان ، ليقول مراسل مجلة العربي الكويتية في تقرير عن موريتانيا من على متن عبارة روسو سنة 1968 : “إذا لم نتدارك الأمر ، ستكون لنا فلسطين أخرى في الغرب الإفريقي فالحصول على الأوراق الموريتانية يتطلب أوقية واحدة هي ثمن تذكرة العبارة و تصبح موريتانيا” .
و صحيح أن لموريتانيا فولانها ..
و صحيح أننا قد نكون ارتكبنا بعض الأخطاء في حقهم بسبب ما خلقت لنا فرنسا من مشاكل مع الفولان ..
و صحيح أن أجيالهم الأخيرة قد تكون تأثرت بدعاية افلام و إغراء مشروعهم المكذوب ، لكنها مشاكل بسيطة يمكن حلها إذا تم فصلهم عن فولان السنغال ..
على فولان موريتانيا أن يتذكروا أن موريتانيا لم تصفهم يوما بالأقلية و لا بصفة أخرى غير وطنيتهم مثل الجميع و لم تحاسبهم حتى على احتضانهم لإخوانهم فولان السنغال و لم تخونهم بسبب احتضانهم و لم تؤاخذهم ببعض أخطائهم قبل تجاوز الأخيرين لحدودهم ..
و لا يستطيع فولان السنيغال في موريتانيا اليوم ، التنازل عن التمسك باللغة الفرنسية ، لأنها تمثل أهم بنود اتفاقهم مع فرنسا في مشروع احتلال موريتانيا . و لم تستطع الدبلوماسية الموريتانية الفاشلة منذ ولدت أن تعالج هذا الموضوع من جذوره أي من الكي دورسي ..
و من يتابع دفاع موريتانيا عن ملكية الصحراء الغربية على يد المفكر الكبير محمد مولود ولد داداه (الشنافي) ، يدرك أنها كانت قادرة على دحر المشروع الفرنسي السنغالي ، لو كانت هناك إرادة سياسية جادة لإنهائه ..
اليوم ، تجد موريتانيا أهم فرصة تاريخية (نتيجة موقعها الجيو سياسي و التحولات الكبرى التي يعيشها العالم) ، لإرغام فرنسا و الناتو على التراجع عن دعم افلام و إيرا ، لأن تحوُّل موريتانيا إلى القطب الروسي الصيني ، سينهي أي قابلية لعودة أي نفوذ غربي في المنطقة !!
و التراجع عن دعم افلام و إيرا من قبل فرنسا و الغرب لن تكون له أي قيمة إذا لم يتم رسميًّا تجريم الحركتين و طردهما من قبل الحكومات الغربية ..
و تعرف أوروبا و فرنسا و بلجيكا على وجه الخصوص ، أن افلام و إيرا حركات عنصرية ذات أجندة إجرامية ، تحركها أيادٍ خارجية معادية للبلد ..
و لا شك أن حصول موريتانيا على تحذير الحركتين من أي عمل يسيئ إلى علاقات البلدين ، بعد زيارة وزير الدفاع لداكار ، كان مهما سياسيا على الأقل ، رغم عدم أهميته الفعلية ، إذا لم يكن خطوة على طريق التجريم و الطرد و هو ما يجب أن تعمل عليه الدبلوماسية الموريتانية بأي ثمن و هو أمر سهل إذا حُظِيت دبلوماسيتها برجال أوفياء للوطن ، على مستوى المهمة ..
و إذا فوتت موريتانيا هذه الفرصة الذهبية ، سيكون عليها أن تتأكد أن التاريخ سيعيد نفسه و بطرق أبشع ، لأنه لا بد أن يعيد نفسه حين لا تفهمه الناس من المرة الأولى ، تماما كما لم نفهمه في المرات الماضية و تماما كما لن يفهمونه !!



