تفادياً للمبالغة

بقلم: عبد الفتاح ولد اعبيدن

الزمان أنفو – نواكشوط: لا يمكن إنكار تفاقم جملة من الاختلالات التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطن، وفي مقدمتها انتشار الأوساخ في العاصمة على نحو لافت، وضعف خدمات الماء والكهرباء، واستفحال المحسوبية في التوظيف، والتضييق على حرية التعبير، واستمرار سجن الصحفيين، والتلاعب بحقوق المناوئين للسلطة، إلى جانب ضعف الإجراءات المتخذة ضد المفسدين.
ويضاف إلى ذلك تهتك أهم طريق اقتصادي في البلاد، وهو الطريق الرابط بين نواكشوط ونواذيبو، فضلًا عن الارتفاع الكبير في الأسعار، ولا سيما أسعار اللحوم، وخاصة قطعان الضأن، التي تتراوح في الأوقات العادية ما بين 65 و70 ألف أوقية قديمة، لتصل إلى حدود 100 ألف أوقية خلال مواسم الأعياد.
كما يلاحظ انغلاق أغلب الوزراء واحتجابهم عن هموم المواطنين، في سلوك يتناقض صراحة مع دعوات رئيس الجمهورية، محمد ولد الغزواني، إلى تقريب الإدارة من المواطن.
وقد تداولت بعض وسائل التواصل الاجتماعي، اليوم، صورة لأحد الوزراء وهو نائم أثناء إلقاء الوزير الأول خطابه الرنان، في مشهد رمزي يدرك كثيرون، وربما يدركه الرئيس نفسه، أن عصرنة نواكشوط وغيرها من الورشات، مهما بلغت أهمية إنجازاتها، فقد رافقها هدر كبير للمليارات. غير أن المصلحة السياسية والانتخابية للنظام القائم قد لا تسمح أحيانًا بمحاسبة المعنيين، فيُكتفى بالتهديد دون الحسم، وبالوعيد دون القطع في المفصل.
ألم يأن لمدبّجي الخطب أن يستحضروا المثل الحساني البليغ:
«الكلام سيل، والفعل منقع»؟
لا يمكن تجاهل بعض المنجزات، لكن حجم الإنفاق الذي رافقها كان لافتًا، وقد كشف تقرير محكمة الحسابات عن اختلالات واسعة في التسيير، دون أن يدخل شخص واحد السجن على خلفية ما ورد فيه. ورغم ما رافق التقرير من تصريحات رئاسية، وتحقيقات، واستجلابات، فإن موجة الاستنكار والوعيد خمدت سريعًا، لتبدأ بعدها تعيينات في صفوف بعض المعنيين بتلك الجلبة، في مفارقة صارخة.
وفي المقابل، يُعامل الصحفيون بصرامة مغايرة تمامًا، ضمن مسار يشجع – عمليًا – على الإفلات من العقاب، وهتك حرمات المال العام، والتضييق العميق على الصحافة المستقلة، في دولة تصف نفسها بالديمقراطية.
وسيظل سجن الصحفيين في 2024 و2025، إلى جانب تقارير محكمة الحسابات، وضعف الخدمات، والمحسوبية في التوظيف، أقوى رد عملي على الخطابات الرنانة، مهما تحققت من إنجازات قد لا تكون مقنعة إطلاقًا، بالنظر إلى حجم الأموال الخيالية التي أُنفقت عليها.
وفي المقابل، لا بد من الإقرار بأن ما ينعم به الوطن من استقرار أمني وسياسي، رغم نواقصه، يُحسب أولًا للمجتمع، بفضل عامل التسامح، كما يُحسب للجهاز الأمني خصوصًا، وللنظام عمومًا. وقد ظل الرئيس محمد ولد الغزواني حريصًا على التهدئة السياسية، غير أن بعض الحاشية – على ما يبدو – قد تحرّض على غير ذلك.
وإذا كان معالي الوزير الأول صادقًا فيما عرضه من إنجازات في مختلف المجالات، فالأجدر به الاعتراف بالنواقص والمنغصات، خاصة في مجالات حرية الصحافة، وتسيير المال العام، ومعايير التعيين في الوظائف، فالحق أحق أن يُتبع.
وسيظل مشهد انتشار الأوساخ في شوارع العاصمة عائقًا واقعيًا وملموسًا أمام الترويج لما يُسمّى «عصرنة نواكشوط».
أما مبالغات بعض المدوّنين في التنويه، على غرار تدوينة السيد جميل منصور حول خطاب الوزير الأول اليوم، فهي تعكس بعمق أزمة مصداقية النخبة. ولعل هذه النخبة – إن وُجدت – ليست مدعوة لا للتصفيق الأعمى، ولا للتحامل المقابل،
وكان بين ذلك قوامًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى