إيران بين الانهيار الاقتصادي والنجاة من النبذ الأمريكي د. محمدو ولد احظانا

مقال استشرافي في الاقتصاد السياسي

الزمان أنفو (نواكشوط): تقريب
أعلنت الولايات المتحدة عن إجراء غير مسبوق تجاه إيران، هو ما يمكن تسميته بـ«النبذ الاقتصادي».
وهذا العنوان مرعب، مثل كل عناوين الحرب الجنونية التي هندسها وصاغها بنيامين نتنياهو، ونفذها دونالد ترامب بكل فصولها الخالية من أية حبكة واضحة، من قبيل: «الغضب الملحمي»، و«الأسد الناهض»، و«زئير الأسد».
ولعل هذه العناوين المرعبة، قبل تنفيذها، أخذت مداها لدى المتلقين؛ لكنها فقدت شحنة الرعب التي حملتها بعد التنفيذ، وأصبحت مدعاة لخيبة أمل المناصرين وأضحوكة للمراقبين. وهو ما خفف من وقع ورنين العنوان الجديد: «النبذ الاقتصادي» أو «الإنزال الاقتصادي».
تأصيل الحالة
في علم النفس التحليلي الحديث مفهوم يسمى «التعويض»، وخلاصته أن الإنسان يعوض سلوكياً عن إشباع ما يرغب فيه، بحيلة نفسية توفر له إشباعاً بديلاً عن الإشباع الذي عجز عن تلبيته.
ويكون هذا التعويض فعلياً ورمزياً، ويستخدم صاحبه لغة الجسد والكلام بمبالغة زائدة عن المعتاد، تستراً على العجز الأصلي.
ويبدو أن هذه هي حالة «اتراهو» ذي الوجهين، إذ يعاني من ازدحام وتوارد هذه اللغة المزدوجة بشكل متفاقم.
وثمة أدلة وقرائن على ذلك في قول نتنياهو اليوم: «إنه سيعيد إيران إلى عصر الظلام»، وهو بذلك يحيل إلى رمز الظلام مقابل النور في الرؤية المانوية، التي هي عقيدة قديمة للحضارة الفارسية قبل الإسلام، قصد بها نتنياهو زيادة جرعة الرعب، لا شعورياً، لدى الإيرانيين.
لكن التجربة علمتنا حتى الآن، خلال هذه الحرب، أن الإعلانات من جنس «تِعمارْ الشدوگ» الشائع في مصطلحاتنا المحلية؛ ذلك أن الأمور لا تجري حسب إرادة «اتراهو»، رغم ما بذله من جهد وما اهتدى إليه من عنف.
مما يعني، عند المراقب الجاد، أن الأمر يتعلق بآلية تعويض نفسية بحتة، وعلى نحو استعراضي سلبي.
وهذا لا يعني، طبعاً، أن الأذية لم تعد متاحة لـ«اتراهو»، لكنه يعني أن لها ثمناً يحسب له حسابه، ويجعل الإقدام عليها مدعاة للتريث.
أحلام «اتراهو» بين الواقع والطموح
إلى أي حد يستطيع «اتراهو» إنجاز توعداته الفلكية لإيران؟
وهل ستولد الحاجة في إيران إلى العمل بما أدعوه «مَهْرَب الأنفاق الاقتصادية السياسية»؟
1 ـ التوعد بالنبذ الاقتصادي
كما توقعت في مقال سابق، بدأت معالم رفض روسي وصيني للنبذ الأمريكي لإيران.
ولم تحصل الولايات المتحدة من عشر دول فاعلة في المنطقة على ما تريده، لأن ذلك يمس اقتصاد تلك الدول، أو موقعها الاستراتيجي، أو مصالحها الإقليمية والدولية.
وهذه الدول كتلة اقتصادية معتبرة تمثل ما يربو على 40% من الكتلة الاقتصادية العالمية.
ولكون هذه الدول محاذية لإيران أو قريبة منها، فإن لهذا الموقف تأثيره القوي على إحكام الحصار القاتل، كما أراده ترامب ونتنياهو معاً.
كيف ذلك؟ سنرى.
2 ـ شعار «إعادة إيران إلى الظلام»
أما شعار «إعادة إيران إلى الظلام»، فهو أمر فيه نظر.
ذلك أنه إذا كانت قوة إيران العسكرية قد تضررت كثيراً من الحرب، فإن «اتراهو» بوجهيه قد تضرر كذلك تضرراً كبيراً. وما بلغه الجميع من جهد رسم حدود القوة لدى كل الأطراف، ولم تعد المزايدة ممكنة على أحد.
وبالتالي، فإن «اتراهو» لا يستطيع إعادة إيران إلى الظلام إلا باستخدام أسلحة ذرية، مثلاً. وهو أمر تترتب عليه كوارث لا حدود لها، ولا يجد أذناً صاغية من الجيش الأمريكي الذي أصبح يُجر بأهدابه إلى حرب لا فرس له فيها ولا حمار.
وبالتالي، فتهديد نتنياهو لإيران من جنس الكلام التعويضي الأجوف.
يبقى النبذ الاقتصادي الذي سيرتكز على الحيلولة دون بيع النفط الإيراني، وهو منحى واضح نظرياً، لكن تطبيقه صعب لسببين:
الأول: حاجة دول كبرى إلى النفط الإيراني، وصعوبة تعويضه في ظروف كهذه من دول الخليج، بناء على حصار هرمز، وإمكانية حصار باب المندب.
الثاني: إمكانية تحوّر الحصار الأمريكي لإيران إلى حرب تدمير شامل للبنية التحتية النفطية في الخليج كله.
إن المشهد معقد ومترابط، بحيث لا يمكن حل مكوّن منه إلا بحل المكونات الأخرى.
فهل لإيران منجاة من الخنق الاقتصادي الموعود؟
الأنفاق الاقتصادية السياسية
أرى، من خلال آلية تفكير جديدة ولدها القهر والاحتلال والهيمنة في الشرق الأوسط، أن ثمة حلاً ابتدعته كتلة ما يطلق عليه «المقاومة» في الشرق الأوسط.
فقد ابتكرت هذه الكتلة طريقة تقوم على استخدام باطن الأرض في مواجهة ظاهرها المكشوف للاحتلال والقوى القاهرة المؤيدة له غربياً.
هذا السلاح الجديد في المنطقة، الذي يبدو أنه كان فعالاً للغاية، اعتمد في إيران وغزة وجنوب لبنان ولدى الحوثيين.
وهذه الأنفاق ليست مجرد منشآت تحت الأرض، وإنما هي طريقة تفكير وحل من الحلول، تدل على وعي يمكن أن نسميه «وعي الأنفاق». ويمكن تعميمه من طرف أصحابها في مجالات النزاع، أياً كانت طبيعتها.
وأتصور أن إيران ستستخدم هذا المنطق في الالتفاف على النبذ الأمريكي، فتنشئ أنفاقاً اقتصادية وسياسية، ومن مظان ذلك:
1 ـ نفق «عليّ وعلى أعدائي يا رب»
بحيث يُحرم الجميع من تصدير النفط، ولو اقتضى الأمر حرباً مشتقة عسكرية.
2 ـ نفق المقايضة
بالعملات المحلية وشبهها، أو بالمواد، بدل استخدام الدولار، بحيث يتم استيراد الاحتياجات مقابل صادرات إيرانية من أي نوع وبأية طريقة.
3 ـ نفق الصناعة التحويلية
وغيرها محلياً، من أجل تحقيق اكتفاء أو انكفاء على الداخل. ودولة تملك الطاقة يسهل عليها هذا الانكفاء.
4 ـ النفق السياسي
ولهذا النفق أهميته الاستراتيجية، رغم النفور الحالي منه، ويتمثل في فتح قنوات جادة للتواصل مع كل الجيران، وطمأنتهم إلى أن العلاقات البينية هي التي ستحل إشكال الأزمة الحالية وغيرها.
ويبدأ هذا النفق بالتخلي الإيراني عن إيذاء الجيران الخليجيين خاصة، وإن كان هذا النفق يتناقض مع قصف هذه البلدان في كل مرة قصفت فيها أمريكا إيران.
لكنني أتصور أن موقفاً جاداً من دول الخليج تجاه الحضور العسكري الأمريكي، الذي لا جدوى منه لهذه البلدان، هو الذي سيفتح الطرف الثاني من هذا النفق الاستراتيجي، الذي يخشاه «اتراهو» خشيته من السقوط في حساب الانتخابات الداهمة.
ولابد لإيران، في هذه الحالة، أن تضحي في سبيل حفر هذا النفق الحيوي، لأنه من أسباب نجاتها؛ فهي لا تستطيع الاستغناء عن جيرانها العرب، كما أنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها.
فليحفر، إذن، أهل المنطقة أنفاق التواصل بينهم، مراعاة لمصالحهم السياسية وغيرها، كما حفرت أنفاق قبلها في المنطقة أدت إلى تغير جذري واستراتيجي في موازين القوى بالمنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى