المفكرة الصغيرة:..شنقيط… حين تعود الذاكرة إلى المكان
عبدالله محمدبون
الزمان أنفو (نواكشوط): في مسقط رأسي، شنقيط، لم تكن تلك الأيام مجرد عطلة تزامنت مع موسم التمور، أو ما نسميه هنا بـ«الگيطنة»، ولم تكن زيارة عابرة إلى مكان ألفته العين والقلب منذ الطفولة. كانت، في حقيقتها، رحلة في الزمن؛ رحلة بين ذاكرة الأمس وواقع اليوم، بين مدينة حفرتها الأيام في الذاكرة، ومدينة أخرى تكاد الذاكرة نفسها تتردد في التعرف إليها.
وقفت طويلًا أمام التحولات التي عرفتها المدينة، حتى خُيّل إليّ أحيانًا أنني أعود إلى مكان أعرفه ولا أعرفه في آن واحد.
شنقيط التي أعود إليها اليوم ليست تمامًا شنقيط التي عرفتها حين كنت أتهجى الحروف الأولى على يد جدتي، قبل أن أنتقل إلى مقاعد الدراسة في المدرسة الابتدائية الوحيدة آنذاك، ذات الفصول الخمسة أو الستة، والتي ما زالت شامخة إلى اليوم، شاهدة على زمن مضى، منذ عهد الاستعمار وحتى حاضر المدينة.
كانت شنقيط، في تلك الأيام، لا تختلف كثيرًا عن أغلب القرى الموريتانية: خدمات قليلة، وبنية تحتية تكاد تكون معدومة، وحياة بسيطة قاسية، لم يكن الصبر عليها ممكنًا إلا لأهل الأرض الذين تشبثوا بها، ورضوا بما قسم الله لهم، وجعلوا من شظف العيش جزءًا من يومياتهم.
كان الماء، يومها، حكاية أخرى.
كانت الآبار والعيون هي شرايين الحياة. أتذكر «بئر البطحاء» و«الحنشية»، وغيرها من منابع الماء التي كانت موزعة في المدينة وفي واحات النخيل البعيدة عن الأحياء السكنية؛ في «تندوعلي» و«آبير» و«انتكمكمت» و«لعگيلة» و«اتوييرت».
كانت تلك الواحات، بما تختزن من نخيل عتيق، عوالم قائمة بذاتها، تحفظ ذاكرة المدينة كما تحفظ الأرض جذور نخيلها. واليوم، باتت المياه تصل إليها بوسائل حديثة، تُسحب بواسطة المضخات والآلات، لتروي عروق النخيل التي صمدت لمئات السنين.
وللنخيل في شنقيط حكاية لا تشبه سواها؛ نخيل «المدينة» و«الحمر» و«المدينة»… وأصناف وسمات محلية تكاد تكون جزءًا من هوية المكان، ومنها نخلة شنقيط الصفراء والخضراء، التي لا تزال تقاوم الزمن، وكأنها تقول للراحلين والعائدين: هنا مرّت أجيال، وهنا بقيت الذاكرة.
ثم جاءت المياه إلى البيوت.
أصبحت الحنفيات اليوم تغني عن الآبار التي كانت يومًا المصدر الوحيد للماء، وأصبح الحصول على الماء، بالنسبة لكثير من السكان، أمرًا يوميًا عاديًا، بعدما كان رحلة ومشقة وانتظارًا.
ودخلت الكهرباء هي الأخرى إلى تفاصيل الحياة. حل نورها محل القناديل ومواقد النار، وامتدت الأعمدة الكهربائية في أرجاء المدينة، حتى أصبح الليل نفسه مختلفًا. وأصبحت محطات الوقود جزءًا من المشهد اليومي، في مدينة كانت السيارة فيها، قبل عقود، حدثًا يستحق الالتفات.
وأتذكر، وأنا أتأمل هذا التحول، سيارات النقل القديمة، وفي مقدمتها «لانروفير»، التي كانت من علامات الطريق بين شنقيط وأطار. كانت سيارات يملكها، كما لا تزال الذاكرة تحتفظ، ساليمة ولد سليمان وولد بركة، تقطع المسافة بين شنقيط وعاصمة الولاية في نحو سبع ساعات.
سبع ساعات!
مجرد التفكير فيها اليوم يجعل المسافة تبدو أطول مما كانت عليه، وربما يجعلنا ندرك مقدار ما تغيرت وسائل الحياة والانتقال.
كان امتلاك سيارة داخل المدينة أمرًا نادرًا، وكانت السيارة الوافدة حدثًا يتناقله الناس، أما اليوم فقد أصبحت السيارات مشهدًا مألوفًا أمام البيوت، وتغيرت المساكن، ودخلت إليها تجهيزات لم تكن، في زمن مضى، أكثر من أحلام بعيدة: المكيفات، والثلاجات، وغيرها من وسائل الراحة التي أعادت تشكيل تفاصيل الحياة اليومية.
ولم تتغير البيوت وحدها.
حتى الفضاء العام تغيّر. ظهرت كرة القدم، وكرة اليد، والسباقات، والمهرجانات، وغيرها من مظاهر النشاط الرياضي والثقافي التي منحت المدينة إيقاعًا جديدًا، وأخرجت الحياة فيها من دائرتها التقليدية إلى فضاء أكثر تنوعًا وحيوية.
ومع التوسع العمراني والسكاني، تبدو شنقيط اليوم أكثر حركة، وأكثر اتصالًا بمحيطها، وأكثر قدرة على استيعاب متطلبات الحياة الحديثة.
وأنا أكتب هذه السطور، لا أريد أن أقع في فخ المزايدات، ولا في أسر الأحكام المسبقة. فالإنصاف، في نهاية المطاف، يقتضي أن يرى المرء الأشياء كما هي، لا كما يريد لها أن تكون.
ومن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن الدولة، خلال السنوات الأخيرة، أوصلت إلى المدينة خدمات ومشاريع كان بعضها إلى وقت قريب حلمًا بعيد المنال.
ولعل الطريق المعبد هو أكثر تلك الأحلام حضورًا في ذاكرة أهل شنقيط. فقد كان الطريق، بالنسبة إلينا، أكثر من مجرد إسفلت؛ كان وعدًا بالوصول، وبكسر العزلة، وبأن تصبح المدينة أقرب إلى بقية الوطن.
وقد ظلت اعتمادات مالية مخصصة له، بحسب ما يتداوله أهل المدينة، تتأخر أو توجه في مراحل مختلفة إلى وجهات أخرى، قبل أن تبدأ الأشغال التي أنجزت حتى الآن عدة كيلومترات منه.
ومع ذلك، يبقى الطريق بحاجة إلى أن يكتمل.
فالتنمية، في رأيي، ليست لحظة احتفال، ولا مشروعًا ينتهي بوضع حجر الأساس أو افتتاح مقطع منه؛ إنها مسار طويل، يحتاج إلى الاستمرارية، وإلى تراكم الخطوات الصغيرة حتى تصبح في النهاية تغييرًا كبيرًا.
لهذا، فإن ما رأيته في شنقيط هذه المرة جعلني أعود إلى السؤال القديم: كم تغيّر المكان، وكم تغيرنا نحن معه؟
ربما تغيرت المدينة أكثر مما كنا نتصور، وربما تغيرنا نحن أيضًا دون أن نشعر.
لكن ثمة أشياء لا تتغير بسهولة.
تلك المدرسة القديمة ما زالت هناك.
والنخيل العتيق ما زال واقفًا.
والرمال ما زالت تعرف خطى أهلها.
والذاكرة، مهما ابتعد صاحبها، تعرف الطريق إلى شنقيط.
وهكذا، لم تكن «الگيطنة» بالنسبة إليّ موسمًا للتمر فحسب، بل كانت موسمًا آخر لاستعادة الذاكرة؛ أعود فيه إلى مدينة الطفولة، فأجدها وقد ارتدت ثوبًا جديدًا، دون أن تفقد تمامًا ملامحها القديمة.
شنقيط تتغير… وربما أجمل ما في التغيير أن يبقى للمكان، وسط كل هذا الجديد، شيء من رائحة الأمس.


