رسالة من ستة أسطر يجني منها صاحبها 65 مليون أوقية مامونى ولد مختار

الزمان أنفو ( نواكشو): ستة أسطر فقط كانت كافية لصاحب رسالة ذكية في صياغتها، خطيرة في مقصدها، لكي يضع أمام قبيلة طلبا بخمسين مليون أوقية، قبل أن ينتهي الأمر بدفع خمسة وستين مليونا. إنها شطارة من نوع خاص: شطارة تعرف من أين تؤكل الكتف، وتعرف كيف تستثمر كرم الآخرين وحرجهم وسمعتهم الاجتماعية.
فبعد أن جمعت إحدى القبائل الموريتانية مائة مليون أوقية لإغاثة غزة، في ذروة الحرب الإسرائيلية عليها، وأصبحت مبادرتها نموذجا تنافست بعده القبائل في نصرة غزة، وجد «شاطر» في هذا الموقف الإنساني النبيل فرصة لا تعوض.
لم يطلب المال بطريقة عادية، ولم يكتفِ بعرض مشروعه وحاجته وأرقامه، بل أحاط طلبه بمديح للقبيلة، واستحضر سخاءها في غزة، وكأنه يقول لها دون أن يقول: من جمع مائة مليون لغزة لا يليق به أن يرفض خمسين مليونا لمشروع خيري!
وربما لم يكن الهدف من هذه الصياغة الحصول على المال من قبيلة واحدة فحسب، بل فتح الباب أمام منافسة بين القبائل، بحيث تتكرر تجربة غزة، فتتنافس القبائل في ما بينها على تقديم المال لمشروعه، كل قبيلة تريد أن تثبت سخاءها وحرصها على فعل الخير، مستندا في ذلك إلى السمعة التي صنعتها مبادرة غزة وإلى روح التنافس التي أثارتها بين القبائل آنذاك.
هنا تحديدا تظهر المكيافيلية في أبشع صورها: تحويل فضيلة الكرم إلى أداة ضغط، وتحويل السمعة الحسنة إلى ورقة ابتزاز معنوي، واستثمار الحرج الاجتماعي للوصول إلى المال.
إن طلب المساعدة ليس عيبا، والعمل الخيري ليس ملكا لأحد، لكن العيب أن يعرف الإنسان موضع كرم الآخرين ثم يجعل منه مدخلا إلى جيوبهم. والأشد إشكالا أن تستعمل عبارات المديح لا لتكريم المحسن، وإنما لتقييد حريته في الرفض.
والسؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه: من يضمن لهذه القبيلة ألا تصبح رسالته سابقة؟
فإذا استجابت اليوم لخمسين مليونا، فما الذي يمنع غدا من أن تصلها عشر رسائل، كل واحدة منها لمشروع «خيري» يحتاج عشرين أو ثلاثين أو خمسين مليونا؟ وماذا لو بلغت الطلبات حداً تعجز القبيلة عن تلبيته؟ هل ستصبح عندها «قبيلة بخيلة» لأنها لم تستطع الاستجابة لكل من اكتشف فيها بابا للتمويل؟
وهذه هي أخطر نقطة في المسألة: أن تتحول المبادرة النبيلة إلى التزام مفتوح لا نهاية له، وأن يصبح كرم القبيلة نفسه سببا في تكاثر المطالب عليها.
لقد كان جمع المال لغزة عملا إنسانيا في ظرف استثنائي، ولم يكن إعلانا بأن القبيلة أصبحت صندوقا خيريا مفتوحا لكل طالب، ولا تفويضا لأحد بأن يحدد لها أين تضع أموالها.
والأخطر أن ظاهرة التكسب باسم الخير لم تعد نادرة. فقد بدأ كثير من الناس يكتشفون أن كلمة «خيري» يمكن أن تكون يافطة شديدة الفعالية لجمع المال، وأن بعض المشاريع لا تُسوق بقوة حاجتها، بل بقوة العاطفة التي تحيط بها.
لذلك لا بد من قولها بوضوح: العمل الخيري لا يمنح صاحبه حصانة من النقد، ورفع شعار الخير لا يجعل صاحبه فوق المساءلة.
أما صاحب الرسالة، فربما يحق له أن يفتخر بذكائه في صياغتها، لكن السؤال الأخلاقي يبقى أكبر من السؤال عن ذكائه: هل كل ما يستطيع الإنسان فعله أخلاقيا لمجرد أنه استطاع فعله؟
قد تكون الرسالة ستة أسطر، لكنها كشفت لنا شيئا أكبر من خمسين مليونا: كشفت كيف يمكن للشطارة حين تنفصل عن الحياء، والذكاء حين ينفصل عن الأخلاق، أن يتحولا إلى وسيلة للتكسب من فضيلة الآخرين.
لكن المفارقة أن القبيلة استغربت الطلب ورفضته، لا رفضا للعمل الخيري أو للتبرع، وإنما رفضا لأسلوب رأت فيه ابتزازاً معنوياً واستثماراً لسمعتها وكرمها السابق.
ومع ذلك، قدم بعض أفرادها، ومن دون علمها، على أساس ايديلوجي ومصالح خاصة، خمسة وستين مليون أوقية باسم مبادرة باسم القبيلة لم تكن قد سمعت بها قبل لحظة تقديم المبلغ. وهكذا تجاوز المبلغ المدفوع الطلب الأصلي بخمسة عشر مليون أوقية.
وهنا تكمن المفارقة الأشد: القبيلة لم ترفض فعل الخير، وإنما رفضت الطريقة؛ لكن المال دفع باسمها، ومن دون علمها أو موافقتها.
والسؤال الذي يبقى: من يملك حق استخدام اسم القبيلة والتصرف باسمها من دون علمها وموافقتها؟
قد تكون ستة أسطر فقط، لكنها كشفت كيف يمكن للذكاء حين ينفصل عن الأخلاق، وللكرم حين يتحول إلى نقطة ضعف، أن يفتحا بابا ينتهي بخمسة وستين مليون أوقية.



