حكومة المختار ولد اجاي الجديدة: بين رهانات الكفاءة وحسابات السياسة واختبار الإنجاز

عبدالله محمدبون

الزمان أنفو( نواكشوط ): قراءة في فرص نجاح التشكيلة الحكومية الجديدة، وحدود الانسجام السياسي والإداري، ومدى القدرة على تحويل برنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى نتائج ملموسة

يمكن قراءة التشكيلة الحكومية الجديدة من زاويتين أساسيتين: مدى امتلاك الوزراء للكفاءة والخبرة اللازمتين لتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، ومدى قدرة الوزير الأول المختار ولد اجاي على فرض الانسجام والفعالية داخل فريق حكومي يبدو أن إعادة تشكيله تحمل أبعادا إدارية وسياسية في آن واحد.

وفي تقديري، فإن نجاح هذه الحكومة لن يتوقف على مؤهلات أعضائها وحدها، بل سيتحدد أيضا بطبيعة العلاقة بين الوزير الأول والوزراء، ومدى اتساع صلاحياتهم الفعلية، وقدرتهم على اتخاذ القرارات بعيدا عن التعقيدات الإدارية والتجاذبات السياسية.

فهل نحن أمام حكومة أكثر استعدادا للتنفيذ، أم أمام إعادة ترتيب لموازين القوى داخل الجهاز التنفيذي؟ وإلى أي مدى يستطيع المختار ولد اجاي، بما يُعرف عنه من جدية وحضور سياسي وقدرة على المتابعة، تحويل الانسجام الحكومي إلى إنجازات تنعكس على حياة المواطنين؟

أولا: المختار ولد اجاي.. مركز الثقل في الحكومة الجديدة

تعكس إعادة الثقة في المختار ولد اجاي وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة توجها نحو الحفاظ على استمرارية النهج التنفيذي، مع إعادة ترتيب الفريق الحكومي بما يسمح بتحسين الأداء.

ويمتلك ولد اجاي، بحكم تجربته الإدارية والمالية، شخصية تنفيذية تميل إلى المتابعة الصارمة وربط المسؤولية بالنتائج. كما أن حضوره السياسي وقدرته على إدارة الملفات المعقدة يمنحانه فرصة لفرض إيقاع أكثر انضباطا على العمل الحكومي.

لكن ثمة فارقا بين ثلاثة مستويات ينبغي عدم الخلط بينها:

– الجدية في العمل: وتعني متابعة الملفات واحترام الآجال ومساءلة المسؤولين عن التأخر.
– القدرة على التنسيق: وتعني منع تضارب الاختصاصات وتجاوز الحواجز بين القطاعات وتحويل التوجيهات الرئاسية إلى إجراءات عملية.
– القدرة على تحقيق النتائج: وهي الاختبار الحقيقي، إذ لا تكفي الاجتماعات الصارمة والتقارير الدورية إذا لم تنعكس على حياة المواطنين.

ومن هذه الزاوية، يبدو المختار ولد اجاي مؤهلا لقيادة حكومة منضبطة، لكن نجاحه سيتوقف على قدرته على تحويل الانضباط الإداري إلى إنجازات ملموسة، خصوصا في مجالات التشغيل والخدمات الأساسية ومكافحة الفساد وتحسين القدرة الشرائية.

فالحكومة لا تُقاس بصرامة رئيسها ولا بكاريزمته، وإنما بما يستطيع المواطن أن يلمسه من تحسن في حياته اليومية.

ثانيا: التغييرات الوزارية.. تقييم للأداء أم إعادة ترتيب لموازين القوى؟

إن خروج وزير الداخلية السابق، ووزير الدفاع الفريق المتقاعد حننه ولد حننه، والمفوضة السابقة للأمن الغذائي فاطمة بنت خطري، ومفوض حقوق الإنسان ووزيرالشؤون الإسلامية و..يفتح الباب أمام قراءات سياسية متعددة.

فقد تكون هذه التغييرات مرتبطة بتقييم الأداء، أو بإعادة توزيع المسؤوليات، أو برغبة في ضخ دماء جديدة داخل الجهاز التنفيذي. كما يمكن أن تعكس سعيا إلى بناء فريق أكثر انسجاما مع توجهات الوزير الأول وآليات عمله.

أما فرضية أن المختار ولد اجاي كان وراء إزاحة بعض خصومه أو مسؤولين لم يكن التنسيق معهم سهلا، فهي قراءة سياسية محتملة، لكنها تحتاج إلى معطيات موثوقة قبل التعامل معها باعتبارها تفسيرا مؤكدا لما حدث.

ومع ذلك، فإن العلاقة بين الوزير الأول والوزراء تظل عاملا مؤثرا في فعالية الحكومة. فالوزير الأول الذي يسعى إلى فرض إيقاع سريع للعمل يحتاج إلى فريق قادر على التجاوب مع توجيهاته، لكنه يحتاج أيضا إلى وزراء يتمتعون بالاستقلالية المهنية والقدرة على المبادرة..يحتاج كفاءات قادرة على النهوص بقطاعاتها كبعص الوزاراء الذين تم الاحتفاظ بهم كمعالي وزير المعادن ادي ولد الزين .
والسيدة الناها بنت مكناس التي حولت الى وزارة الصحة التي تعرفها جيدا .

وإذا كانت التغييرات قد استهدفت إزالة عوائق التنسيق، فمن المتوقع أن تمنح الوزير الأول مساحة أوسع لإدارة العمل الحكومي. غير أن الفارق كبير بين إزالة الخلافات الشخصية وإزالة العقبات المؤسسية؛ فالأولى قد تحقق هدوءا مؤقتا، بينما الثانية هي التي تصنع الفعالية والاستمرارية.

وفي المقابل، لا ينبغي افتراض أن مغادرة أي مسؤول تعني بالضرورة فشله، أو أن تعيين خلف له يمثل حكما مسبقا بنجاحه. ومع ذلك، فإن المسؤولية السياسية والإدارية تقتضي التمييز بين من يغادر منصبه في إطار التداول العادي، ومن تحيط بأدائه إخفاقات جسيمة أو شبهات موثقة تستوجب التحقيق والمساءلة.

وفي هذا السياق، يبرز ملف حريق محطتي الكهرباء وما ارتبط به من نقاش حول مسؤولية قطاع الطاقة في عهد الوزير السابق محمد ولد خالد، كما تبرز الانتقادات التي وُجهت إلى تسيير مفوضية الأمن الغذائي في عهد فاطمة بنت خطري، بما فيها اتهامات تتعلق بالمحسوبية والزبونية.

لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين المسؤولية السياسية عن الإخفاقات، والمسؤولية القانونية عن الفساد؛ فالأولى يمكن تقييمها انطلاقا من النتائج والأداء، أما الثانية فتحتاج إلى أدلة وإجراءات تحقيق وقضاء مختص. ولا يجوز تحويل الاتهامات، مهما كانت خطورتها، إلى أحكام نهائية دون إثبات.

ومع ذلك، فإن تجديد الثقة في المسؤولين أو إعفاءهم ينبغي أن يكون جزءا من سياسة واضحة للمساءلة، لا مجرد إجراء إداري يتكرر دون تقييم معلن للنتائج.

ثالثا: الوزراء الجدد.. قراءة في الكفاءة وفرص النجاح

1. احميديت ولد الشين.. التنمية الحيوانية

يمتلك احميديت ولد الشين ميزة مهمة تتمثل في توليه سابقا وزارة التنمية الحيوانية، فضلا عن تجربته في إدارة ميناء نواذيبو المستقل.

وتمنحه هذه الخلفية معرفة سابقة بملفات القطاع، وقدرة على استعادة زمام الأمور بسرعة مقارنة بوزير يدخل الوزارة للمرة الأولى.

غير أن التنمية الحيوانية في موريتانيا تحتاج إلى أكثر من المعرفة الإدارية؛ فهي ترتبط بالأمن الغذائي، وتحسين السلالات، والصحة الحيوانية، وتنظيم الأسواق، وتطوير الأعلاف، ومواجهة آثار الجفاف.

تقديري أن فرص نجاحه جيدة نسبيا، إذا انتقل من إدارة الملفات اليومية إلى وضع برنامج عملي لتطوير الثروة الحيوانية وتحويلها إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

وسيكون الاختبار في مدى استفادة المنمين من السياسات الحكومية، وليس في عدد الاجتماعات أو التصريحات.

2. عيساتا لام.. أول امرأة تتولى وزارة الصيد والبنى التحتية البحرية والمينائية

يمثل تعيين عيساتا لام اختيارا لامرأة تتولى حقيبة استراتيجية ترتبط بالموارد البحرية والاستثمارات والبنى التحتية المينائية، في خطوة تحمل دلالة على حضور المرأة في مواقع المسؤولية التنفيذية.

وتمتلك الوزيرة خبرة سابقة في إدارة وكالة ترقية الاستثمارات، وهي خلفية قد تساعدها على استقطاب المستثمرين، وتحسين مناخ الأعمال، وربط البنية التحتية البحرية بالتنمية الاقتصادية.

لكن قطاع الصيد له خصوصيته، إذ يتطلب معرفة دقيقة بالموارد البحرية، وتنظيم استغلالها، ومراقبة الاتفاقيات، وتطوير التصنيع المحلي، وتعزيز مساهمة القطاع في التشغيل والصادرات.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تستطيع الوزيرة توظيف خبرتها الاستثمارية في قطاع يحتاج إلى الجمع بين الاقتصاد والرقابة الفنية وحماية الثروة البحرية؟

تقديري أن فرص نجاحها متوسطة إلى جيدة، بشرط أن تستند إلى فريق فني قوي، وأن تمنح الأولوية للقيمة المضافة المحلية، بدلا من الاكتفاء بزيادة الاستثمارات أو العائدات المالية.

فالنجاح الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الثروة البحرية المستغلة، وإنما في مقدار ما يبقى من قيمتها داخل الاقتصاد الوطني، وما توفره من فرص عمل، وما تخلقه من صناعات وخدمات مرتبطة بها.

3. أحمد باب ولد اعلي.. الزراعة والسيادة الغذائية

يمتلك أحمد باب ولد اعلي خبرة سابقة في رئاسة غرفة التجارة والصناعة والزراعة، وهو ما قد يساعده على فهم العلاقة بين الإنتاج الزراعي والقطاع الخاص والأسواق.

وتكمن أهمية هذا التعيين في أن السيادة الغذائية أصبحت من أكثر الملفات إلحاحا في موريتانيا، في ظل الاعتماد على استيراد جانب مهم من الاحتياجات الغذائية.

لكن هذا القطاع يحتاج إلى حلول عملية تتعلق بتوفير المياه، وتوسيع المساحات المستصلحة، وتحسين البذور، وتطوير المكننة الزراعية، وتسهيل التمويل، وتنظيم تسويق المحاصيل.

أما علاقته العائلية بالرئيس الأسبق اعل ولد محمد فال، فلا تكفي وحدها للحكم على كفاءته أو أدائه؛ فالمعيار هو ما يملكه من خبرة وقدرة على إدارة القطاع.

تقديري أن فرص نجاحه متوسطة إلى جيدة، إذا استطاع تحويل خبرته الاقتصادية إلى سياسة زراعية واضحة، وربط الدعم الحكومي بزيادة الإنتاج وتحسين مردودية الاستثمار الزراعي.

والتحدي الأكبر هو أن يشعر المزارع بأن الدولة تساعده على الإنتاج والتسويق، لا أنها تكتفي بإعلان أهداف طموحة.

4. يحفظو اشريف محمد محمد الشيخ ملاي عبد المالك.. الإسكان والعمران

يستند هذا التعيين إلى خبرة مهنية داخل الوزارة، حيث سبق للوزير أن تولى إدارة الأشغال وإدارة المباني، وعمل مكلفا بمهمة في ديوان الوزير.

وهذه الخبرة تمنحه معرفة بالإجراءات الإدارية والفنية، وبطبيعة المشاريع والعقبات التي تواجه تنفيذها.

وتكمن أهمية هذه الخلفية في أن قطاع الإسكان يحتاج إلى متابعة دقيقة للصفقات والأشغال، واحترام المواصفات والآجال، ومعالجة اختلالات التخطيط العمراني.

غير أن نجاح الوزير لن يُقاس فقط بمدى معرفته بالمؤسسة، بل بقدرته على تحسين الرقابة على المشاريع، وضمان جودة المنشآت، والحد من التأخر في تنفيذها.

تقديري أن فرص نجاحه جيدة من الناحية الإدارية والفنية، لكن نجاحه الفعلي سيظل مرتبطا بقدرته على ضمان الشفافية في الصفقات، وربط مستحقات الشركات بالتنفيذ الجيد، وتحسين التخطيط العمراني.

5. محمد ولد ببانا.. الناطق باسم الحكومة ووزير الثقافة والاتصال

يجمع هذا القطاع بين الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، وهو ما يجعله من الوزارات التي تتطلب قدرة على إدارة ملفات متعددة وحساسة.

ويتمتع محمد ولد ببانا بتجربة سياسية وبرلمانية سابقة، تعود إلى مشاركته في الحياة السياسية قبل أكثر من عقدين، من خلال حزب تكتل القوى الديمقراطية، في مرحلة عهد جديد، إضافة إلى تجربته الدبلوماسية في قطر.

كما أن وصفه بالسياسي المفوه يشير إلى امتلاكه أدوات خطابية قد تساعده في إدارة التواصل الحكومي، والدفاع عن سياسات الحكومة، والتفاعل مع الأسئلة والانتقادات في المشهد السياسي والإعلامي.

لكن نجاحه لن يتوقف على قدرته على الإقناع والرد، بل على مدى استعداده لتقديم معلومات دقيقة، وتفسير القرارات الحكومية، والتعامل مع الرأي العام بشفافية.

أما على مستوى الثقافة والفنون، فإن التحدي يتمثل في بناء رؤية واضحة للنهوض بالثقافة الوطنية، ودعم المبدعين، وتطوير الصناعات الثقافية، وتعزيز حضور الفنون والآداب في الحياة العامة.

تقديري أن فرص نجاحه متوسطة، ويمكن أن ترتفع إذا جمع بين قوة الخطاب ووضوح المعلومة، وتعامل مع الثقافة باعتبارها استثمارا في الهوية والاقتصاد والإبداع، لا مجرد نشاط احتفالي.

وسيكون نجاحه في موقع الناطق باسم الحكومة مرتبطا بقدرته على تحويل الاتصال الحكومي من مجرد ترويج للمواقف الرسمية إلى مساحة لشرح السياسات، وتوضيح الحقائق، والتفاعل مع انتظارات المواطنين والإعلاميين.

6. دحيد ولد القاسم.. الخبرة الإدارية واختبار الملاءمة

تشير التجارب السابقة لدحيد ولد القاسم في لجان الصفقات العمومية، والعمل الإداري المرتبط بالاقتصاد والبيئة والإسكان والبحث العلمي، إلى امتلاكه معرفة بالإجراءات الحكومية وبالصفقات والتسيير المؤسسي.

وقد تكون هذه الخبرة مفيدة في قطاع يحتاج إلى الدقة الإدارية، وفهم المساطر القانونية، والتنسيق بين المؤسسات.

لكن تقييم فرص نجاحه يتطلب معرفة طبيعة الوزارة أو المسؤولية التي أُسندت إليه، ومدى ارتباطها بمجالات خبرته السابقة.

تقديري أن لديه مؤشرات إيجابية من حيث الخبرة الإدارية، لكن الحكم النهائي يتوقف على مدى ملاءمة تلك الخبرة لمهامه الجديدة، وقدرته على تحويل المعرفة الإجرائية إلى أداء مؤسسي فعال.

7. المختار ولد عبد الله.. الأمانة العامة للحكومة

يشكل انتقال المختار ولد عبد الله من رئاسة بلدية بوتلميت إلى منصب الوزير المكلف بالأمانة العامة للحكومة تحولا من التسيير المحلي إلى موقع محوري في تنسيق العمل الحكومي.

وتؤدي الأمانة العامة دورا مهما في متابعة الملفات الحكومية، وإعداد النصوص، وضمان انتظام الإجراءات، وتنسيق المسار الإداري للقرارات.

وقد تمنحه خبرته البلدية معرفة عملية بتحديات الإدارة والخدمات المحلية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات قدرته على إدارة مؤسسة ذات طبيعة مركزية وقانونية متخصصة.

تقديري أن فرص نجاحه ترتبط بقدرته على استيعاب خصوصية المنصب بسرعة، وضمان انسيابية القرارات الحكومية، وتجنب تحول الأمانة العامة إلى حلقة بيروقراطية إضافية.

وإذا نجح في ذلك، فقد يكون أحد العناصر المهمة في مساعدة الوزير الأول على تسريع تنفيذ القرارات.

رابعا: هل الوزراء الجدد قادرون على تنفيذ برنامج الرئيس؟

لا يمكن تقديم إجابة واحدة بشأن جميع الوزراء؛ فبعضهم يمتلك خبرة مباشرة في القطاع الذي أُسند إليه، بينما يمتلك آخرون خبرات إدارية أو سياسية يمكن أن تساعدهم، لكنها تحتاج إلى استكمال بالكفاءات الفنية والاستعانة بالخبراء المتخصصين.

ويمكن تلخيص التقييم الأولي على النحو التالي:

الوزير| أبرز عناصر القوة| التحدي الرئيسي| التقدير الأولي
احميديت ولد الشين| خبرة وزارية سابقة ومعرفة إدارية| تطوير الإنتاج الحيواني ومردودية القطاع| فرص جيدة نسبيا
عيساتا لام| خبرة في ترقية الاستثمارات| تطوير قطاع الصيد والبنى التحتية البحرية| متوسطة إلى جيدة
أحمد باب ولد اعلي| خبرة في التجارة والصناعة والزراعة| تحقيق تقدم ملموس في الإنتاج والسيادة الغذائية| متوسطة إلى جيدة
يحفظو اشريف| خبرة فنية وإدارية داخل قطاع الإسكان| جودة الأشغال والشفافية واحترام الآجال| مؤشرات إيجابية
محمد ولد ببانا| تجربة سياسية وبرلمانية ودبلوماسية| بناء رؤية ثقافية وإعلامية متكاملة| متوسطة
دحيد ولد القاسم| خبرة في الصفقات والإدارة| مدى ملاءمة الخبرة للمسؤولية الجديدة| غير محسومة
المختار ولد عبد الله| تجربة في التسيير المحلي| استيعاب متطلبات التنسيق الحكومي المركزي| مرتبطة بسرعة التأقلم

وتظل هذه التقديرات أولية، تستند إلى السير المهنية المتاحة، ولا تمثل أحكاما نهائية على الأداء؛ إذ لا يمكن الجزم بنجاح وزير أو إخفاقه قبل الاطلاع على أهدافه وموارده ونتائجه.

خامسا: ما الذي قد يرفع فرص نجاح الحكومة؟

هناك خمسة عوامل يمكن أن ترجح كفة النجاح:

1. وضوح العلاقة بين الرئيس والوزير الأول

إذا منح الرئيس الوزير الأول صلاحيات عملية واضحة، وحاسبه على النتائج، فسيكون الأخير قادرا على فرض الانضباط والتنسيق بين القطاعات.

أما إذا ظلت القرارات موزعة بين مراكز نفوذ متعددة، فقد يجد الوزير الأول نفسه مسؤولا عن نتائج لا يمتلك جميع أدوات تحقيقها.

2. اعتماد مؤشرات أداء قابلة للقياس

ينبغي أن تكون لكل وزارة أهداف محددة، وآجال زمنية، ومؤشرات تسمح بتقييم التقدم.

ففي الزراعة، مثلا، ينبغي قياس تطور الإنتاج والمساحات المستصلحة ومردودية الدعم؛ وفي الإسكان، قياس جودة الأشغال ونسب الإنجاز؛ وفي التنمية الحيوانية، قياس أثر السياسات على المنمين والإنتاج.

3. اختيار الكفاءات المناسبة داخل الوزارات

قد يمتلك الوزير الجدية والإرادة، لكنه لن ينجح إذا كان محاطا بفريق ضعيف أو إذا كانت التعيينات محكومة بالولاءات على حساب الكفاءة.

والوزير الأول الناجح ليس من يحتكر القرار، بل من يختار المسؤولين الأكفاء، ويوزع المسؤوليات بوضوح، ويحاسب كل مسؤول على ما أُسند إليه.

4. مكافحة الفساد دون انتقائية

لا يمكن تنفيذ برنامج تنموي طموح إذا تسربت الموارد عبر الصفقات غير الفعالة، أو تأخرت المشاريع، أو غابت المحاسبة.

وستُختبر جدية الوزير الأول في مدى تطبيق قواعد الرقابة والمساءلة على الجميع، دون أن تتحول المحاسبة إلى وسيلة لتصفية الخلافات أو تعزيز الولاءات.

5. ربط العمل الحكومي بحاجات المواطن

قد تحقق الحكومة تقدما في المؤشرات الإدارية والمالية، لكنها ستظل مطالبة بإثبات أن هذا التقدم انعكس على فرص العمل، وأسعار المواد الأساسية، وجودة التعليم والصحة، وتحسين الخدمات في المدن والأرياف.

وهذا هو المعيار الأكثر أهمية في تقييم تنفيذ برنامج الرئيس.

سادسا: ما السيناريو الأكثر ترجيحا؟

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحكومة الجديدة.

السيناريو الأول: حكومة تنفيذية فعالة.

يتحقق إذا نجح المختار ولد اجاي في توحيد القرار الحكومي، وفرض متابعة منتظمة للبرامج، وتوظيف الخبرات الوزارية، مع وجود إرادة رئاسية حقيقية لتجاوز العراقيل.

وفي هذه الحالة، قد تشهد القطاعات التي تمتلك خططا واضحة ومشاريع جاهزة تحسنا ملموسا، خصوصا في تنفيذ الاستثمارات العمومية وتطوير الخدمات.

السيناريو الثاني: انضباط إداري دون تحول تنموي كبير.

وهذا احتمال وارد إذا نجح الوزير الأول في ضبط الوزراء وتسريع الإجراءات، لكن ظلت العقبات البنيوية قائمة، مثل ضعف الإنتاجية، ومحدودية الموارد، واختلالات التخطيط، وصعوبات الرقابة.

وقد تبدو الحكومة أكثر انتظاما، دون أن يلمس المواطن تغييرا يوازي التوقعات.

السيناريو الثالث: التعثر بسبب استمرار الاختلالات القديمة.

ويحدث إذا لم تتغير طريقة إدارة الملفات، أو طغت الحسابات السياسية على الكفاءة، أو استمر التداخل بين الصلاحيات، أو تحولت المتابعة الحكومية إلى إجراءات شكلية.

وفي هذه الحالة، لن تكفي شخصية الوزير الأول ولا تبديل الوزراء لتحقيق النتائج المطلوبة.

ومن بين هذه السيناريوهات، يبدو السيناريو الثاني نقطة انطلاق أكثر واقعية للتوقع، مع إمكانية الانتقال إلى السيناريو الأول إذا اقترنت الجدية السياسية بإصلاحات إدارية فعلية، وقرارات قابلة للتنفيذ، ومحاسبة منتظمة على النتائج.

الخلاصة: هل تنجح حكومة المختار ولد اجاي؟

تمتلك الحكومة الجديدة فرصة حقيقية لتحسين الأداء التنفيذي، ويبدو أن إعادة الثقة في المختار ولد اجاي تعكس رغبة في الحفاظ على مركز قيادة حكومي يتمتع بالجدية والقدرة على المتابعة.

كما أن بعض التعيينات تستند إلى خبرة سابقة ذات صلة بالقطاعات المعنية، وهو عامل إيجابي. لكن ينبغي الحذر من المبالغة في التفاؤل؛ فالكاريزما والصرامة والقدرة على التنسيق لا تعوض غياب السياسات الفعالة، ولا تكفي وحدها لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

أما فرضية أن الوزير الأول استفاد من التغييرات لإزاحة مسؤولين كان التنسيق معهم صعبا، فتبقى قراءة سياسية تحتاج إلى أدلة قبل اعتمادها تفسيرا لما حدث.

وأعتقد أن الاختبار الحقيقي للمختار ولد اجاي ليس قدرته على تشكيل حكومة أكثر انسجاما معه، بل قدرته على تحويل هذا الانسجام إلى نتائج ملموسة، وإثبات أن قوة الإدارة يمكن أن تتكامل مع قوة المؤسسات، لا أن تحل محلها.

وإذا استطاع خلال الأشهر الستة الأولى تقديم حصيلة واضحة في عدد من الملفات ذات الأولوية، مع مؤشرات موثوقة عن تقدم المشاريع، فسيكون ذلك مؤشرا مبكرا على أن الحكومة تسير في الاتجاه الصحيح.

أما إذا بقيت النتائج في حدود التغييرات الإدارية والتصريحات، فإن إعادة تشكيل الحكومة لن تكون، في حد ذاتها، ضمانة لنجاح برنامج رئيس الجمهورية.

الخلاصة الأعمق: قد يكون المختار ولد اجاي قادرا على ضبط إيقاع الحكومة، لكن نجاح موريتانيا لا يُقاس بإيقاع العمل داخل المكاتب، وإنما بما يتحقق خارجها من تنمية وفرص وعدالة وجودة في الخدمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى