جدل في موريتانيا بعد أرقام البنك الدولي: تمويلات 7 سنوات تعادل ما حصلت عليه البلاد في 59 عاما

الزمان انفو _ انواكشوط:
أثار تقرير للبنك الدولي صدر نهاية سبتمبر 2026 جدلا واسعا في موريتانيا. فقد أفاد بأن التمويلات التي منحها للبلاد بين 2019 و2026 بلغت 1.64 مليار دولار، مقابل 1.63 مليار دولار في الفترة من 1960 إلى يونيو 2019. وبذلك يصل مجموع التمويلات المعتمدة منذ الاستقلال إلى 3.27 مليار دولار موزعة على 112 عملية.
وبحسب التقرير، كانت الالتزامات الجديدة في السنة المالية 2019 نحو 22.5 مليون دولار فقط، ثم تجاوزت 290 مليونا في كل من العامين التاليين بسبب جائحة كورونا. وبلغت 325 مليونا في 2025 وهو رقم قياسي، و231 مليونا في 2026. وأوضح البنك أن هذه المبالغ قروض ميسرة طويلة الأجل من المؤسسة الدولية للتنمية إضافة إلى منح، وأنها ليست تحويلات فورية ولا تعكس حجم الدين القائم. وقد سددت موريتانيا نحو 788 مليون دولار حتى 31 أغسطس 2026، وتبقى مدينة للبنك بـ651 مليونا.
المعارضة والنشطاء. وصف النائب محمد بوي الشيخ محمد فاضل الأرقام بـ”المخيفة”، وقال إن “9 أنظمة في 60 سنة استدانت ما حصل عليه نظام واحد في 7 سنين”. وطالب الكاتب الشيخ هيبة سيداتي بتحديد المشاريع الملموسة التي ذهبت إليها الأموال. وحذرت منظمة “الشفافية الموريتانية الشاملة” من “الاقتراض المفرط” في بيئة يستشري فيها الفساد. أما حزب “الصواب” فقال إن المواطن لم ير خلال هذه السنوات سوى العطش وانقطاع الكهرباء وتردي الطرق والخدمات الصحية. وطالب الناشط يعقوب أحمد لمرابط بفتح تحقيق شفاف في وجهة الأموال.
قراءات اقتصادية. رأى موقع “الفكر” أن التمويلات لم تتحول إلى تنمية ملموسة، مشيرا إلى مؤشر رأس المال البشري (0.38) وإلى أن 95% من أطفال العاشرة لا يستطيعون قراءة نص بسيط، وإلى استمرار النمط الريعي. أما موقع “الحقائق” فقال إن من المضلل اعتبار 1.64 مليار دولار دينا إضافيا كله، لأنها تشمل منحا وضمانات، لكنه شدد على أن القرض الميسر يظل دينا. وقال إن المهم هو العائد الاقتصادي لكل دولار مقترض، وإن المشكلة تبدأ حين تقل عوائد المشاريع عن كلفة سدادها.
رد الأغلبية. وصف رئيس كتلة حزب “الإنصاف” الحاكم زين العابدين المنير الانتقادات بـ”المغالطات”، وقدم ثلاث حجج:
نسبة دين القطاع العام إلى الناتج المحلي تراجعت من نحو 70% في 2019 إلى نحو 40% اليوم.
التركيز على ممول واحد يتجاهل بقية الدائنين وما سُدد من ديون، كما أن المقارنة بالقيمة الاسمية تتجاهل تغير قيمة الدولار، إذ إن 900 مليون دولار اليوم تعادل نحو 104 ملايين بأسعار 1970.
حجم الاقتصاد تجاوز 14 مليار دولار، والمشاريع الممولة معلومة وموثقة في الطاقة والصحة والزراعة والمياه والحماية الاجتماعية.
خلاصة الجدل. لا خلاف على صحة الأرقام، فحتى المنظمات المعارضة أقرت بتطابقها مع بيانات البنك. الخلاف في تفسيرها: المعارضة تراها دليلا على الإفراط في الاقتراض وغياب الأثر التنموي والفساد، بينما ترى الحكومة وأغلبيتها أن المقارنة مضللة وأن مؤشرات المديونية تحسنت. ويلتقي الطرفان عند مسألة جوهرية هي ما تحقق فعليا على الأرض.

على مستوى التحالف الحكومي، كان الرد الأبرز على هذا الجدل على لسان رئيس كتلة حزب “الإنصاف” الحاكم، زين العابدين المنير، حيث وصف الانتقادات الموجهة للحكومة في هذا الصدد بأنها “مغالطات”.

وذكر المنير في تصريح نقله موقع “الأخبار” المحلي في 28 سبتمبر 2026، أن هذه الانتقادات تتجاهل المؤشر الأهم في تقييم الدين وهو حجمه بالنسبة إلى الاقتصاد وقدرة الدولة على تحمله.

وأردف “الأرقام واضحة في هذا الإطار، وتقول إن نسبة دين القطاع العام إلى الناتج المحلي تراجعت منذ 2019، فقد كانت في حدود 70 بالمئة عام 2019 وأصبحت في حدود 40 بالمئة اليوم رغم كل التمويلات التي حصلت عليها الدولة خلال هذه السنوات”.

واسترسل: “ثم إن التركيز على البنك الدولي وحده يطرح سؤالا منهجيا بسيطا، لماذا يختار أصحاب المغالطات ممولا واحدا من بين ممولي الدولة، ويقارنون تدفقاته عبر فترتين، بدل مقارنة إجمالي الدين العام ونسبته إلى الناتج المحلي في الفترتين؟ ولماذا لم يقدم أصحاب المغالطات مديونية بقية الممولين خلال نفس الفترات؟”.

وأجاب: “لم يستطيعوا فعل ذلك لأنها تحسنت بفضل هذا النظام، ولأن هذه المقارنة المغالطة تتجاهل ما سُدد أو سُوي من الديون خلال الفترة نفسها، فرصيد بعض الدائنين انخفض رغم استمرار التمويلات”.

ونبه المنير إلى أن “مقارنة أرقام الدين بما حصلت عليه موريتانيا قبل عقود بالقيمة الاسمية نفسها، فتغفل تغير قيمة الدولار بصورة كبيرة، فبحساب القوة الشرائية فإن 900 مليون دولار بقيمة اليوم تعادل نحو 351 مليون دولار فقط بأسعار 1990، ونحو 221 مليون دولار بأسعار 1980، ونحو 104 ملايين دولار بأسعار 1970”.

وزاد، وهناك عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو حجم الاقتصاد وقدرته على استيعاب التمويل، فوفق أحدث التقديرات لعام 2026، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي الموريتاني 14 مليار دولار.

وبالتالي، يقول المنير، “فإن نحو 900 مليون دولار من القروض موزعة على سبع سنوات ينبغي أن تقرأ في ضوء حجم الاقتصاد الحالي وشروط هذه القروض وآجالها، لا كما لو أنها مبلغ اقترض في سنة واحدة، ولا كما لو أن حجم الاقتصاد الموريتاني ظل ثابتا منذ عقود”.

وخلص إلى أن “القروض ليست أرقاما مجهولة الوجهة أو أموالا لا يُعرف أين ذهبت، فالمشاريع التي وُجهت إليها معلومة وموثقة، ومجالاتها محددة، وكثير منها قائم على الأرض أو قيد التنفيذ في قطاعات الطاقة والصحة والزراعة والمياه والحماية الاجتماعية والرقمنة وتشغيل الشباب وكفاءة الإنفاق العام”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى