ايزيد بيك (باشا) – تدوينة

altالأحدوثة الشعبية تقول إن ايزيد بيه ولد محمد محمود قدِمَ بُعيدَ تخرجه في التاريخ إلى أهله بكَرو. وقد شاءت الظروف أن ايزيد بيه، الذي لم يقل أحدٌ إنه لم يكن “مرموحاً”، قد أُصيب بعُطبٍ في ساقه الأيمن. فقدِمَ على أهله وهو يعرج.

وبطبيعة الحال فإن ايزيد بيه، الذي لا يُقارن في العجب بذاته إلا بالمتنبي، لم ينسَ عظمته وبدائعه وعلوه. لذا عندما سأله أهله: “مه يا ايزيد بيه! ما بالك تعرج؟” فإنه أجاب: “ما أعرجني إلا كبر الديبلوم الذي أحمل في جيبي”!

إن ايزيد بيه، كأبي سفيان، هو رجل يُحبّ الفخر. وفي معظم الأحوال ينسى ايزيد بيه الموضوع وينهمك في الذات. ذاته هو. ايزيد بيه هو مركز العالم. لا؛ ايزيد بيه هو العالم. الآن الخبر هو أن ايزيد بيه، أي العالَم، أصبح ناطقاً باسم الحكومة. وكما هو متوقع فإن صاحبَنا لا ينطق إلا عن ذاته. ايزيد بيه هو أول ناطق باسم الحكومة يستخدم ضمير المتكلم. إن ايزيد بيه هو نرجس: ليست إطلالته على النهر إلا إطلالته على نفسه. إن ايزيد بيه هو من فصيلة المتنبي. إنه يبدأ بشكر ذاته، رغم أنه في مقام شكر الدولة: أو سيف الدولة. إن شكره لسيف الدولة ليس إلا فائضاً من تغنيه بذاته. الدولة هي ايزيد بيه. لا؛ ايزيد بيه هو الدولة.

لقد عرِفتُ السيّد ايزيد بيه عندما كنتُ أدَرِّسُ بجامعة نواكشوط منذ سنوات. وكنا نجلس في استراحة الأساتذة بُعيد التدريس أو في استراحاته. كان ايزيد بيه تاج المجلس. بالإرادة أكثر مما هو بالتمثيل. وكان المتحكم فيما يُقال. ففي ذلك المجلس “الأكاديمي” من لم تسُرِع به عقيرته أبطأت به أفكاره. وكان ايزيد بيه طيّباً وودوداً. وقد أعطى انطباعاً أن النرجسية لا تتناقض مع الفضل. وكناّ نحِبّه. ما زِلنا كذلك.

لقد عرفتُ ايزيد بيه السياسي قبل ذلك. وكان ولد الطايع قد أطاح به عندما استنقص حصة العشيرة في الدولة. لقد صار بذلك كبش فِداء المحاصصة وشهيدها. وقد صال على سيدي ولد الشيخ عبد الله في مجلسه لأنه لن يُنتَخب عميداً للجامعة، (رغم أن عميد الجامعة كان “ايزيد بيه” آخر). ولكن بعكس ايزيد بيه الأول فإن ايزيد بيه الأخير هو رمز نفي الذات لصالح الموضوع: رمز التفاني في خدمة الحزب، ولو بسحق الذات. ولنعد إلى ايزيد بيهنا: ان ايزيد بيه السياسي يبدو لي دونكيشوتياً: حروبه شِعرية. ملاحمه سديمية. استيراتيجياته سريالية.

لقد عرفتُ ايزيد بيه الأكاديمي لاحقاً. ورغم أنني لم أستفد كثيراً من رسالته بخصوص تحقيق “إمارتي تكانت ومشظوف”، الذي تحّصّلتُ عليه في إطار اهتمامي بالتاريخ الموريتاني منذ سنوات، إلا انني مازلتُ أعتقد أن ايزيد بيه أفضل في الصرح الجامعي منه في البلاط. ربما لأنني أعتقد أن كل شيئ خارج البلاط أفضل منه داخله. ولكن لأنني أيضاً أعتقد بالذات أن هذا المتنبي لا يمكن أن يكون ناطقاً باسم الحكومة لعدة أسباب أكتفي باثنين منها: 1-أولاً ليس للحكومة ما تقوله أصلاً (لأنها “ماي حاكية شِ” أو لانها “ما تكَول شِ”). و2- لأنه حتى لو كان للحكومة ما تقوله لقاله ايزيد بيه عن نفسه، لا عن الحكومة.

أبو العباس ابرهام

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى