الحزب الوطني هو أول من يضحي وآخر من يستفيد

altتشكل الأحزاب أحد أنماط  العمل السياسي الجماعي في صورته الحديثة  ، وتعد من أهم أدوات التنشئة والتنمية والمشاركة السياسية بشكل عام ،لذلك يعرف الحزب السياسي على أنه “مجموعة منظمة من الأفراد يمتلكون أهدافا وآراء سياسية متشابهة بشكل عام، ويهدفون إلى التأثير على السياسات العامة من خلال العمل على تحقيق الفوز لمرشحيهم بالمناصب التمثيلية”

.

ولكي تتمكن هذه الأحزاب من القيام بأدوارها ومهامها، ستحتاج إلى ضمانات دستورية و قانونية تكفل لها مايلزم من الحقوق والواجبات، من أجل موازنة المتطلبات والتطلعات المتناقضة وتحويلها إلى سياسات عامة ، ومن ثم توفير قنوات للمشاركة الشعبية والصعود بها إلى درجة من الرقي والتنظيم الفاعل ، لتحريك وتفعيل الجماهير للمشاركة في القرارالسياسي ، وتحويل آرائهم إلى خيارات سياسية واقعية .

وبذلك تتحقيق الوظائف العامة المنوطة بالأحزاب ، وهي التعبئة ، والتنمية  ، والاندماج القومي، ودعم الشرعية ، والتجنيد السياسي ،  وعلى هذا النسق ستتجه الأحزاب السياسية إلى التجذر بعمق إذ يمكنها الربط بين الحكومة وعناصر المجتمع المدني في مجتمع حر وعادل.

غيرأن الارتقاء بالأحزاب السياسية للمستوى المؤسسي سيخلق”حكومة ظل” تتابع أداء الحكومة وقادرة على تشخيص مكامن الخطأ ، ومن ثم إعداد البرامج البديلة التي تحقق مصالح المجتمع وهذا لايمكن الحصول عليه دون إعداد الكادر اللازم لإنجازالمهام ، وتولى الكفاءات السياسية والثقافية زمام القيادة، بدلا من سيطرة الطابع النخبوي على هذه الأحزاب بشكل دائم .

 لأن العمل السياسي في حد ذاته هو احتراف ، ويحتاج لولوج مدارس الاعداد الحزبي ـ إذاكانت موجودة ـ والتضلع من التربية الحزبية بوصفها من المحددات الحديثة التي تسهم بشكل كبير في تنشئة الأفراد وتدخل في حياة الأحزاب والتنظيمات ، حيث عرفها البعض بأنها : ” تلك العملية التي يقصد بها غرس أفكار وقيم ومعتقدات واتجاهات تعكس الأسس الفكرية والفلسفية والأيديولوجية للحزب لدى الأفراد في المجتمع”.

ومع ذلك فإن الفروق الجوهرية بين الأحزاب السياسية تبقى عاملا أساسيا في تنظيمها وتصنيفها وجديتها ،ومن الأمثلة الحية على هذا التصنيف الأنواع الثلاثة التالية :

ــ الأحزاب الإيديولوجية: وهي الأحزاب التي تتمسك بمبادئ محددة ، يشترط الإلتزام بها في  عضوية الحزب ، وهذا النمط من الأحزاب يمتاز بالجدية والمثابرة ، إلا أن هذا النوع من التنظيمات أصبح محدودا في بلادنا ، بعد أن كان مسيطرا على المشهد السياسي ، إبان النضال السري ونظام الحزب الواحد، قبل “التعددية الحزبية”.   ــ الأحزاب البرغماتية :وهي التي يوجد لها تنظيم حزبي ، وبرنامج يتصف بالمرونة ويتغيير بتغير الظروف ، وبناء على ذلك فإن هذه الأحزاب ينقصها الكثير من الجدية والثبات . ـ أحزاب الأشخاص :  وهي التي ترتبط بشخص واحد يقودها بلا منازع ، حيث يحدد اتجاهها ويغير مسارها ، دون خشية من أعضاء الحزب ، وهذا النوع من الأحزاب هو الأكثرانتشارا على الساحة السياسية الموريتانية في الوقت الحاضر، وغالبا لايوجد هذا النوع من الأحزاب إلا برفقة  “نظام الحزب  المهيمن” الذي توجد معه أحزاب سياسية كثيرة، لكن منافستها لهذا الحزب تبقى نظرية ، لأنها تعاني من غياب الكادر الحزبي ، والمبادئ الأيديولوجية ، والعمل التنظيمي ، مع شح الموارد المالية ،  والإنشغال بالتصدعات و الانقسامات الهيكلية الداخلية، وعدم القدرة على التعبئة نتيجة تذبذب الخطاب ، وحداثة التجربة السياسية ،وهذا ما يفسرضعف الإنتماء للوطن وعدم الاستعداد  للتضحية وانتشار ظاهرة الأنانية عند أغلبية قادة الأحزاب السياسية في موريتانيا.

لذلك فليس من الغريب أن يكون التنافس بين هذه الأحزاب المعارضة أوالموالية،على أساس ما سيحصل عليه قادتها من مزايا ذاتية ، من خلال ذلك الحوارالذي شغلوا به أنفسهم عن هموم هذا الوطن وتطلعاته ، بدلا من أن يكون هذا التنافس قائما أساسا على بناء الوطن ، مثل ماكان يحصل زمن الحركات السياسية التقليدية ،التي قامت بتنافس إيجابي خلال حركة التطوع ، حيث بنت المدارس ودرست فيها ،وعلمت الكباروأهتمت بشؤون الري والصحة والثقافة والهوية ،وفتحت النقاشات حول الأهداف والمبادئ العامة المتعلقة بنشر الثقافة العربية الإسلامية .

وخاضت معركة التعريب  من خلال تنظيم المظاهرات الاحتجاجية والتغلغل في الأوساط الجماهيرية ، والكتابة على الجدران ، والإضرابات العمالية والمدرسية للضغط على الحكومات الموريتانية لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض التعريب ، والتخلي عن سياسات التبعية .وواجهت في سبيل ذلك كافة أنواع التعذيب والسجن والمضايقات والتشريد والطرد من العمل أو من الدراسة .

وبما أن الأحزاب المبدئية الموريتانية الحديثة قد خرجت من رحم تلك الأحزاب والحركات التقليدية التي رأينا مدى تفانيها في خدمة شعبنا وقضاياه المصيرية ، فإنه بإمكان هذه الأحزاب المعاصرة أن تظل كذلك في خدمة الوطن والشعب ،وتحفافظ على الوحدة الوطنية ، وتسعى للتقارب بين الفرقاء السياسين .

 وهنا ينبغي على السلطة السياسية أن تمثل دور الوازع الذي يقف عند تهيئة جو الحوار الهادف، وأن تعترف بالآخر كشريك سياسي نضالي ، حيث الوطن يتسع للجميع،غيرأن أي مكون سياسي يريد الوحدة الوطنية ويضع مصلحة الوطن فوق الحزب عليه أن يبرهن على ذلك من خلال التفاعل الإيجابي والاستعداد الكامل للتضحية .

وانسجاما مع هذا الطرح وارتقاء بأي حزب إلى مرتبة الأحزاب الأكثر وطنية ينبغي لقادة أحزابنا الشرفاء أن يضحوا أثناء الحوارالمرتقب بقدركبير من تطلعاتهم  ومواقفهم ، ويستفيدوا من وقائع صلح الحديبية الذي بدت فيه بنود الاتفاق مجحفة في الظاهربحق المسلمين ،ومع ذلك جاءت نتيجة هذا الاتفاق لصالح ديننا الإسلامي الحنيف .

 كما أنه ينبغي لأحزابنا الوطنية أن تجسد ذلك المبدأ القائل إن الحزب الوطني “هو أول من يضحي وآخر من يستفيد “، ومع أن الأدبيات الحزبية قد أسندت هذه المقولة المبالغة في الإيثار لأحد الأحزاب القومية  ، فإنها ستبقى صالحة كشعار يرفعه المناضلون في أحزابنا الوطنية ، إلى جانب ما قاله الزعيم جيفارا في هذا الشأن : “قضت الرجولة أن نمد أجسامنا جسورا فقل لرفاقي هيا اعبروا “.

 

باباه ولد التراد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى