حكايات من “وادان”*

 تستعد مدينة “وادان” لاحتضان نسختها الثانية من مهرجان المدن القديمة، وقد تكون هذه هي أفضل مناسبة للتعريف بهذه المدينة التاريخية الرائعة وبآثارها المدهشة. وسأحاول في هذا المقال أن استعرض لكم لمحات من تاريخ هذه المدينة من خلال مجموعة من الحكايات القصيرة، والتي لا يمكن الجزم بدقة بعض تفاصيلها، حتى وإن كانت الأجيال “الوادانية” قد ظلت  تتناقل تلك التفاصيل جيلا بعد جيل.

كل شيء في هذه المدينة له حكاية تُروى، فلموقع منازل المؤسسين حكاية؛ وللمسجد حكاية؛ وللسور حكاية؛ وللبئر المحصنة حكاية؛ وللأضرحة حكاية؛ ولشارع الأربعين عالما حكاية؛ ولواد التمر حكاية؛ ولواد العلم حكاية؛ وللوادَيْن معا (واد التمر وواد العلم) أكثر من حكاية. كل شيء في “وادان” له حكاية تستحق أن تُروى، لكل صخرة حكاية، ولكل شارع حكاية، ولعل الأصعب هو أن نعرف بأي حكاية نبدأ كل هذه الحكايات. دعونا نبدأ هذه الحكايات بحكاية فكرة التأسيس، وهي الفكرة التي كانت قد وُلدت ونمت في رؤوس ثلاثة رجال. حكاية الرجال الثلاثة:  إن الحديث عن تاريخ “وادان” يبدأ حتما بالحديث عن ثلاثة رجال من طراز نادر، جمعهم طلب العلم عند القاضي “عياض”، وجمعهم بعد ذلك الحج، فعُرفوا بالحجاج الثلاثة، ثم جمعتهم من بعد ذلك كله فكرة طموحة وحلم كبير فقرروا أن يؤسسوا مدينة “وادان” فاشتهروا بذلك بالمؤسسين الثلاثة، وذلك قبل أن يلتحق بهم حاج رابع، سيصبح فيما بعد هو المؤسس الرابع لهذه المدينة. إنهم ثلاثة رجال لم يجمعهم نسب واحد، ولكن جمعتهم فكرة واحدة، وكانت تلك مجرد ميزة واحدة من ميزات عديدة لمؤسسي مدينة “وادان”. فلم يكن من المألوف في ذلك الزمن أن يقرر ثلاثة رجال من ثلاثة أنساب مختلفة تأسيس مدينة واحدة جمعت عدة قبائل، في انسجام نادر، قل أن يوجد له نظير على أرض هذه البلاد التي كانت تعرف بالبلاد السائبة. في العام 536 هجري الموافق 1142م، قرر الحاج “يعقوب القرشي”، والحاج “عثمان الأنصاري”، والحاج “علي الصنهاجي” أن يؤسسوا مدينة “وادان”، وذلك من قبل أن ينضم إليهم في وقت لاحق الحاج “عبد الرحمن الصائم”، وكانت تلك هي البداية لمشروع طموح، بدأ بفكرة وتحول إلى مدينة مزدهرة وعامرة. ومن اللافت أن منازل المؤسسين الثلاثة، لم يتم تشييدها بجوار المسجد، وقد كان من المفترض أن تكون هي المنازل المجاورة له، ويفسر الوادانيون ذلك بأن المؤسسين الثلاثة أرادوا أن تكتب لهم خطاهم إلى المسجد مع كل صلاة، فابتعدوا بمنازلهم عنه، ولا غرابة في أن يفكر ثلاثة علماء عُبَّاد بتلك الطريقة. حكاية المنارة والدهن: حُقَّ للوادانيين أن يفتخروا بأنهم هم أول من صدح على هذه الأرض بالآذان من منارة مسجد. فمنارة مسجد “وادان” الذي تم تشييده منذ 870 عاما، ربما تكون هي أقدم منارة في هذه البلاد. وحُقَّ للوادانيين أن يفتخروا كذلك بأنهم استطاعوا أن يشيدوا مسجدا جامعا فيما بين جمعتين، وهو جامعهم الحالي الذي تم بناؤه في العام 1835م بمبادرة من المحسن “يحظيه ولد الفاضل”. وحسب الرواية الشعبية فقد نفد الماء الذي كان يستجلب من الوادي قبيل اكتمال بناء منارة المسجد. ونظرا لحرص المشيدين على إكمال بناء المسجد من قبل وقت صلاة الجمعة فقد اضطروا لخلط الطين بالدهن لإكمال بناء المنارة، وذلك رغم ندرة الدهن ورغم غلائه في المدينة. ويقول “الوادانيون” بأن الجهات التي رممت المسجد فيما بعد قد حافظت على تلك البقعة الدسمة من المنارة، فاستخدمت مادة دسمة عند ترميم جزء المنارة الذي تم تشييده بالطين المخلوط بالدهن.  حكاية مفاتيح:  ستظل حكاية مفاتيح “الطالب عيدي” هي أفضل حكاية يمكن من خلالها إعطاء صورة عن مدى العمران الهائل الذي عرفته مدينة “وادان” في فترة من فترات تاريخها. يقول “الوادانيون” أن “الطالب عيدي” نسى في يوم من الأيام مفاتيحه في الحقل، ولم يتذكر ذلك إلا بعد وصوله إلى منزله في المدينة، فما كان منه إلا أن طلب من مزارع بجوار المدينة أن يخبر المزارع الذي يليه بذلك، ليخبر ذلك المزارع بدوره المزارع الذي يليه، حتى وصل الطلب للمزارع الذي لديه المفاتيح، والذي كان على بعد 12 كيلومتر من المدينة. وما كان من المزارع الذي كانت لديه المفاتيح إلا أن سلم المفاتيح للمزارع الذي يليه، ليسلمها ذلك بدوره للمزارع الذي يليه، حتى وصلت المفاتيح إلى “الطالب عيدي” في منزله دون أن يتحرك أي مزارع من مكانه، ودون أن يترك أي مزارع مكان عمله. ولقد أصبح الطريق الذي سلكته المفاتيح تُعرف بطريق “الطالب عيدي”. حكاية شارع:  أما التطور الثقافي والعلمي الذي عرفته المدينة فيعكسه شارع الأربعين عالما، حيث كان يوجد في “وادان” أربعون منزلا متجاورا في كل منزل عالم على الأقل. وكان بإمكان طالب العلم في “وادان” أن يتجول في المدينة وهو يتلو القرآن أو يقرأ بعض المتون، دون الحاجة إلى شيخ محدد، وإذا ما واجه صعوبة أثناء تلاوته أو أثناء مراجعته لأحد المتون فما عليه إلا أن يقف عند باب أي منزل، وهناك سيجد من يقوم بمهمة الأستاذ ويصحح له.  صخرتان وحكايتان: الصخرة الأكثر شهرة في “وادان” هي تلك الصخرة التي يقول “الوادانيون” بأنها قد أصبحت قبرا للعالم العابد “الطالب أحمد ولد اطوير الجنة”، وهو قبر لازال قائما في وسط المدينة القديمة. وتقول الروايات الشعبية إن “الطالب أحمد ولد اطوير الجنة” كان قد أوصى قبل موته بأن يذهب بجنازته إلى صخرة معروفة في “وادان”، وأن يقال لتلك الصخرة : يا صخرة انشقي فقد جاءك “الطالب أحمد”، وتقول الروايات بأن الصخرة انشقت، ووضعت فيها جنازة “الطالب أحمد” لتنغلق عليه وتعود كما كانت.  أما الصخرة الثانية فهي صخرة “الفاضل ولد أحمد امحمد”، والتي يحكى عنها الكثير من القصص، وهي صخرة ضخمة يقول “الوادانيون” بأن “الفاضل” كان قد جاء بها إلى المكان الذي توجد فيه الآن، وأنه كان يستخدمها لإغلاق وفتح الطريق.   حكاية المرأة والدار 

يشتهر “الوادانيون” بالتعاون والتكافل، وفي الماضي كان يكفي لمن يريد بناء دار مثلا أن يعلن ذلك، ليجتمع الناس من حوله ويعينوه على بنائها. وقد يكون المال والجهد الذي يبذله مالك الدار لتشييدها، أقل مما ينفقه ويبذله بعض المتعاونين معه في بنائها. وتقول الروايات الشعبية التي تختلف حول بعض الجزئيات إن امرأة غنية من أهل “وادان”، قررت أن تحفر بئرا أو تشيد دارا، فما كان من تلك المرأة إلا أن أجَّرت بعض العمال لإنجاز المهمة ( حفر البئر أو تشييد منزل ). وبعد اكتمال العمل قام رئيس “وادان” آنذاك باستدعاء السيدة المذكورة، وكان الرئيس في تلك الفترة هو “سيد أحمد الأطرش”، والذي لُقِّب بالأطرش لأنه ـ حسب الرواية الشعبية ـ كانت له قدرة عجيبة في التفريق بين صاحب الشكوى الحقيقية، وصاحب الشكوى المزيفة. وكان يتظاهر بالصمم لأصحاب الشكاوى المزيفة فلقبوه بالأطرش. وتقول الرواية الشعبية بأن “سيد أحمد الأطرش” قام بهدم المنزل حسب أصحاب الرواية الأولى، أو بردم البئر حسب أصحاب الرواية الثانية، وطلب من أهل “وادان” أن يحفروا للسيدة بئرا، أو يشيدوا لها دارا، وذلك بعد أن حذرها من العودة لمثل هذه التصرفات التي تخالف ـ وبشكل صارخ ـ تكافل أهل “وادان” الذي عُرفوا به على مر العصور .

 حكاية طبل وساحة:

ساحة الرحبة هي ساحة فسيحة كانت تستخدم في الماضي لأغراض شتى، وهي الآن توجد فيها صخرة يقال أنها كانت تستخدم لقياس القوة، خاصة بالنسبة للشاب الذي يريد أن يُعلن عن دخوله في مرحلة الرجولة. وعلى جانب من الرحبة توجد خشبة يقال أنها كانت تستخدم لإقامة الحدود، وبجنب تلك الخشبة يوجد مكان لخشبتين يقال أن طبل “وادان” كان يوضع بينهما، والطبل يوجد الآن في دار “أهل شماد” المجاورة لساحة الرحبة. وكان الطبل يستخدم لعدة أغراض، فكان يستخدم للأفراح، وكان يستخدم كصفارة إنذار، كما كان يستخدم أيضا للإعلان عن قدوم الضيوف. حكاية بئر وسور: اشتهر سور “وادان” ـ الذي تم تشييده بعد تأسيس المدينة بأربع سنوات ـ شهرة كبيرة، ولهذا السور أربعة أبواب مشهورة يقال إن كل باب منها كان يمكن أن يمر منه جمل يحمل هودجا، دون أن يلمس أي جزء من أجزاء السور العلوية أو الجانبية. ولقد حفر “الوادانيون” بئرا داخل السور لجلب الماء في حالة إغلاق السور، عند التعرض لأي تهديد خارجي. وتعرف هذه البئر الآن بالبئر المحصنة، ولها طريق سري يوصل إليها يمر من داخل ثلاثة ديار من ديار المدينة. وعند البئر توجد أمكنة للحراسة أو ما يعرف بالرقابة الداخلية للبئر، وتوجد بعض الفتحات التي تمكن الحراس من مراقبة ما يجري خارج مكان البئر، كما أن تلك الفتحات كانت تستخدم لتصويب فوهات البنادق من خلالها. وكان من مهام الرقابة الداخلية أن تشرف على تنظيم جلب الماء من البئر المحصنة في حالة إغلاق السور والعدالة في توزيعه، حيث لم يكن يسمح لأي أسرة بأن تجلب الماء من البئر المحصنة، مرة ثانية، من قبل أن يأتيها الدور وبعد أن يكون كل أهل المدينة قد أخذوا نصيبهم من الماء. وهناك أيضا دار للرقابة الخارجية، تراقب الخارجين والداخلين، وفي حالة الإغلاق المفاجئ للسور نظرا لأي طارئ، يكون بإمكان أهل الرقابة الخارجية تحديد كل أسماء أولئك الذين أغلق السور من قبل عودتهم إلى المدينة.

ــــــــ

*أعيد نشر هذا المقال بعد تعديلات بسيطة، والمقال كان قد نُشر خلال النسخة الأولى، وكان ضمن جملة من المقترحات لإنجاح مهرجان “وادان”، وهي المقترحات التي لم تستجب لها الوزيرة التي أشرفت على النسخة الأولى، ولم تستجب لها أيضا الوزيرة التي تشرف  الآن على النسخة الثانية.

إنه لمن المؤسف حقا أن يتحول مهرجان المدن القديمة إلى سباقات للحمير وإلى إنشاد الشعر الهندي!!

حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين ولد الفاضل

                                                                                       [email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى