بعد الإفراج عنه.. عبدالفتاح ولد اعبيدن يتحدث لـ«الزمان» عن السجن، والحرية

(الزمان أنفو – نواكشوط): أفرج عنه مؤخرًا، ( مساء الأربعاء 10 دجمبر 2025) بعد سجنه الأخير الذي سبقته فترات توقيف وسجن، خلال أقل من عام، بسبب تصريحات صوتية جرى تداولها بشكل واسع عبر تطبيق “واتساب”.
الآن يخرج الكاتب الصحفي عبدالفتاح ولد اعبيدن مدير ورئيس تحرير جريدة الأقصى عن صمته، في هذا الحوار المقتضب مع ” الزمان أنفو” ، متحدثًا عن تجربته مع السجن، وحدود حرية التعبير، ومسؤولية الكلمة، الحديث مع الزميل عبد الفتاح ذو شجون ، فقد راكم تجربة أكثر من ربع قرن، من العمل الإعلامي واجه خلالها واحدة من أقسى قضايا الرأي في تاريخ الصحافة العربية، وحكم عليه فيها بأكبر غرامة على صحفي في العالم العربي وفي افريقيا حينها(300مليون أوقية) واعتبرتها اللجنة المشرفة على تأبين جبران التويني الذي نظمته جريدة النهار اللبنانية ببيروت 2007 وشارك فيه الزميل عبدالفتاح أنها أكبر غرامة ضد أي منتج معرفي في الكون ..وهنا سنكتفي بهذا اللقاء القصير.

الزمان أنفو: كيف تلقيتم خبر الإفراج عنكم بعد ثلاثة أشهر من السجن بسبب صوتية ؟
ولد اعبيدين: طبعا بحمد لله.
الزمان : هل من تعليق على ما يقال من أن التصريحات التي تم تداولها كانت مثيرة ؟
ولداعبيدنا: هذه التصريحات تضمنت معلومات و توجيهات فحسب.
الزمان : سجنتم أكثر من 100 يوم خلال اقل من عام ..كيف كانت تجربتكم هذه المرة بعد قرابة عقدين من الخروج من اول تجربة دامت عدة اشهر ؟
ولداعبيدنا: كل هذه المتابعات و التوقيفات كانت بسبب الرأي،و سجني هذه المرة، على فترتين، مابين 2024 و 2025 ، لا يخلو طبعا من الاستهداف و تجاهل حرمات الصحفي،و لا شك أن حرية الصحافة و حرماتها فى مأزق حقيقي و تحتاج لمراجعة جادة و استعجالية.
و الدولة بمختلف مكوناتها ينبغى أن توسع الباع للأداء الصحفي، و لو وقع افتراضا فى الخطأ،فحصانة الصحفيين لن تتكرس إلا بتعمد جميع المعنيين تقديرها و العناية بها.
و كوني أسجن بسهولة على مدار سنتين متتابعتين،فقد سجنت يوم 28/8/2024 و أطلق سراحي يوم 23/9/2024،ثم سجنت يوم 19/9/2025 و أطلق سراحي مجددا يوم الأربعاء 10/12/2025.
قد يتصور البعض أن الإرهاب و التضييق يغير فى أسلوب تحرير الصحافة،و بصراحة لا أظن هذا وارد مطلقا فى حسابي الخاص.فالقناعات و التصورات لا تغيرها الضغوط،لا ترغيبا و لا ترهيبا.
الزمان : هذا يجرنا للسؤال عن تقييمكم لواقع الصحافة و وضع حرية التعبير في البلد؟..وهل تعتقد أن الإختلاف في الرأي قد يقود أحيانا للسجن؟!
ولداعبيدنا: لا توجد حصانة حقيقية للصحفي فى موريتانيا،و من خلال التجربة يجر الصحفي بسهولة،تبعا لقراءات و تأويلات معينة،رغم أنه كان من الأولى حسن التأويل و توسيع مجال الفهم و الحماية القانونية،و تجربتي كانت فى هذا الصدد صعبة و مؤلمة،و أنا موقن بأن سجني خوف الصحفيين من مهنتهم و خوف الموريتانيين عموما من حرية التعبير،و هذا هو وجه الخطر و الجانب السلبي فى انعكاسات و نتائج مثل هذه الأحداث،مع وضع الصحفي فى نفس ظروف سجناء الحق العام،سواءً من حيث الجلب لقاعة المحاكمة مكبلا و وضعه فى قفص يتساوى فيه مع المجرمين.
العمل الصحفي حتى لو لزم عقاب صاحبه ينبغى اعتبار طبيعة المهنة و حرمات الحقل الصحفي و المستوى العمري و المعاناة من مرض مزمن.
لقد أكدت لي هذه التجربة صعوبة التحديات التى تعانى منها المهنة الصحفية فى موريتانيا.
الزمان: ما رسالتكم للصحفيين الشباب وللمدونين الذين يكتبون أو يتحدثون بجرأة؟
ولداعبيدنا: الجرأة طبيعة بعض البشر ،و سيظل دائما من بين الناس جريئون،لكن فى مثل هذه الظروف الحالية ينبغى ان يحسبوا حسابا للسجن،حتى لو كانوا مظلومين،و أدعوهم لتحمل المعاناة و عدم الخوف،فهذه الأحوال السلبية من اختلالات الحريات لن تبقى على هذا المنحى و ينبغى أن نرفض بطريقة سلمية و قانونية ما يعترينا من تضييق،و السلطات المعنية ينبغى أن تتذكر تعريف مهنة الصحفي من الزاوية القانونية:”الصحفي هو الشخص المخول بالحصول على الخبر و معالجته دون ضغوط أو مخاطر”.
الزمان أنفو : ماهو تموقعكم السياسي بعد هذه المعاناة وماذا عن أفق العمل الصحفي في موريتانيا؟
ولد اعبيدن: شخصيا أفضل أن يسأل الصحفي عن مهنته وعن معاناته، خصوصا إذا كان قريب عهد بالظلم وخارج للتو من السجن، لكنني أثمن ماهو موجود من استقرار رغم النواقص، ولست قطعا في صف المعارضة ولا التصعيد، ولكن أيضا سأظل أوجه وأنصح وفق مقتضيات مهنتي الإعلامية وأما بالنسبة لمستقبل العمل الإعلامي في موريتانيا، فمعطيات المرحلة الراهنة غير مشجعة مطلقا على التفاؤل، لكننا كصحفيين ينبغي أن نصبر ونبذل التضحيات، وعلى الحكومة أن تبتعد عن الصدام معنا وتسارع بجبر الخواطر.
الزمان : هل من كلمة ٱخيرة للسلطات و للرأي العام؟
ولداعبيدنا: كلمتي الأولى للرئيس غزوانى،صاحب الفخامة، لا معنى لديمقراطية لا تحمى الصحفيين و تسجنهم لأبسط الأسباب،و ما يحصل منذ انطلاق المأمورية الثانية يضر بسمعة البلد من الزاوية الدستورية و الديمقراطية،و أقول لكم سيادة الرئيس، الصحافة ليست جريمة،لقد ظللت منذ السنة الماضية محل استهداف، سجنا و تضييقا فى الرزق، و كل ما بحت به كان يمكن التعامل معه فى سياق الاستيعاب و توسيع دائرة التعاطى مع مختلف الآراء و وجود بعض الناس مستاءين من بعض الآراء، قد لا يعنى أن تلك الآراء سلبية،و السجن بسبب الرأي ينبغى أن يكون مستبعدا فى الأغلب الأعم.
و حين نلاحظ الاقتصار على البحث عند الشرطة أو الرقابة القضائية أو السجن لبضعة أيام بالنسبة للبعض،قد يكون لنا حق استغراب سجن عميد صحفي لعدة أشهر،مقابل استحالة سجن بعض المتهمين بالفساد و فى أقسى الحالات يسرح أغلبهم و يقتصر على عقاب رمزي.
يكفي الصحافة عقابًا ما تعانيه من ضيق في الظروف المادية، وعدم تطبيق ما توصي به باستمرار الأقلام الجادة من توصيات وتوجيهات.
و باختصار السلطات القضائية لا تنظر فى قضايا و ملفات إعلامية إلا حين تحركها فى أكثر الحالات السلطة التنفيذية أو عبر المتابعات الأمنية،و لا شك أن فصل السلطات عمليا سيمنح الكثير من القضاة فرصة التعامل الإيجابي مع الصحفيين و قد تتحسن بشكل واضح وضعية القضاء الموريتاني،حين تتاح له فرصة الاستقلالية عن السلطة التنفيذية ،ضمن مشروع الإصلاح المرتقب،فترة وزير العدل الحالي،محمد ولد اسويدات،الذى لاحظت سعيه للإفراج عني،و قد لمست ذلك مباشرة يوم لقائي معه إبان زيارته للمحكمة.
و أجدد دعوتي لصاحب الفخامة بضرورة التوجيه برفع اليد عن الصحافة و التخفيف من سياق معاقبتها و التدقيق في تصرفاتها،فليس كل خطأ جزاءه السجن و لا صحافة دون سعة الصدر و حسن التأويل،و قد قال صل الله عليه و سلم:”من نوقش الحساب عذب”.
و أما كلمتي للرأي العام، فأقول لا نجاح دون صحافة حرة محصنة معززة،و سهولة مصادرة حرية الصحفيين مؤشر خطر على الحريات و التنمية،و وجود صحافة حرة صمام توازن و عدل ،فلا تغفلوا عن خطورة استهداف الصحفيين.
.


