ثلاثة أسابيع مع الذكاء الاصطناعي.. تجربة تستحق أن تُروى

الزمان انفو – محمد عبدالله الفتح

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مرتبطة بالمستقبل، بل أصبح واقعًا حاضرًا يفرض نفسه على مختلف مجالات الحياة، من التعليم والإدارة إلى الإعلام وصناعة المحتوى. وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، أصبحت القدرة على فهم هذه الأدوات واستخدامها بوعي من أهم المهارات التي يحتاجها الصحفي والمثقف والمهني لمواكبة العصر.

ومن هذا المنطلق، كانت مشاركتي في الدورة التكوينية التي نظمها مركز التميز للغات والتدريب (BEST Institute) خلال الفترة من 12 يوليو إلى 2 أغسطس 2026، تجربة ثرية تستحق أن تُروى، لما قدمته من معلومات حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما فتحته من آفاق جديدة للتفكير والإبداع والإنتاج.

لقد أتاحت هذه الدورة، التي شارك فيها طلبة وأطر وفتيات من مختلف المستويات العلمية والمهنية، فرصة للتعرف على أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، وطرق توظيفها في مجالات متعددة، مع التركيز على أهمية الانتقال من مجرد معرفة أسماء التطبيقات إلى امتلاك القدرة على استخدامها بطريقة فعالة ومنتجة.

ومن باب الإنصاف، فإن الشكر والتقدير مستحقان للقائمين على المركز على هذه المبادرة النوعية، كما يستحق الأستاذ محمد سالم أبنو إشادة خاصة، بعد أن أشرف على الدورة بروح المسؤولية والتواضع، وبذل جهدًا كبيرًا في تبسيط المفاهيم، ومتابعة المشاركين، والحرص على إيصال المعلومة للجميع مهما اختلفت مستوياتهم.

وما لفت الانتباه أكثر هو أدبه الجم، واستعداده الدائم للاستماع إلى الملاحظات، واعتذاره بكل شجاعة عن أي تقصير أو سوء فهم قد يحدث، وهي صفات لا تقل أهمية عن الكفاءة العلمية، لأنها تعكس شخصية المدرب الحقيقي الذي يؤمن بأن المعرفة رحلة مستمرة، وأن التطوير يبدأ بالاستماع والتعلم.

ومن أهم ما خرجت به من هذه الدورة أن التعامل الناجح مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على معرفة أسماء البرامج، وإنما يقوم أساسًا على حسن صياغة التعليمات والأوامر. فكلما كانت التعليمات واضحة، ومحددة، ومصحوبة بالسياق الكامل للمطلوب، جاءت النتائج أكثر دقة وجودة. وهذه المهارة، المعروفة اليوم بهندسة الأوامر (Prompt Engineering)، أصبحت مفتاحًا للاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي.

وبصفتي كاتبًا له تجربة إعلامية فقد كانت الفائدة الأكبر بالنسبة لي هي اكتشاف كيف يمكن لهذه الأدوات أن تكون مساعدًا قويًا في العمل الإعلامي، من خلال المساعدة في إعداد المسودات الأولية للأخبار، وتطوير العناوين، وتلخيص الوثائق الطويلة، وإعادة صياغة النصوص، واقتراح الأفكار، وتنظيم المعلومات، مع التأكيد أن الصحفي يظل صاحب القرار والمسؤول الأول عن التحقق والتحرير والصياغة النهائية.

كما تعرفنا خلال الدورة على عدد من المنصات، وفي مقدمتها ChatGPT وClaude، حيث اتضح أن لكل أداة نقاط قوة تختلف عن الأخرى. فـChatGPT يتميز بتنوع استخداماته وسهولة التعامل معه، وقدرته على المساعدة في الكتابة والتحليل وتوليد الأفكار وصناعة المحتوى، بينما يتميز Claude بقدرات قوية في التعامل مع النصوص الطويلة وتحليل الوثائق والمساعدة في مراجعة المحتوى المطول.

أما النسخ المدفوعة من هذه المنصات، فتمنح المستخدم إمكانيات أوسع، مثل الوصول إلى نماذج أكثر تطورًا، وسرعة أكبر، وقدرات محسنة في تحليل الملفات والصور، مقارنة بالنسخ المجانية التي تبقى مفيدة للتعلم والاستخدام اليومي، لكنها تكون محدودة في بعض الميزات وعدد الاستخدامات.

ومن خلال هذه التجربة، أدركت أن الصحفي لا يحتاج إلى اختيار أداة واحدة فقط، بل يحتاج إلى معرفة متى يستخدم كل أداة وفق طبيعة المهمة؛ فبعض الأعمال تتطلب سرعة في توليد الأفكار والصياغة، وأخرى تحتاج إلى تحليل معمق للنصوص والوثائق. والمهم في النهاية هو امتلاك المهارة التي تجعل التكنولوجيا في خدمة العمل الصحفي وليس العكس.

ومع ذلك، فإن أي تجربة ناجحة تظل قابلة للتطوير. ومن وجهة نظري، فإن الدورات المقبلة ستكون أكثر فائدة إذا خُصص وقت أكبر للتطبيقات العملية والتمارين المباشرة، وخاصة في مجالات إنتاج المحتوى، والصوت، والصورة، والفيديو، لأن التعلم بالممارسة هو الطريق الأسرع لاكتساب المهارات.

كما أن تخصيص ورشات متخصصة للإعلاميين، والمعلمين، ورواد الأعمال، سيجعل التدريب أكثر ارتباطًا باحتياجات كل فئة، ويضمن تحقيق استفادة أكبر من هذه التقنيات الحديثة.

وفي المقابل، أرى أن الجانب النظري، وخاصة ما يتعلق بتاريخ الذكاء الاصطناعي ونشأته، استغرق جزءًا من الوقت كان يمكن توجيهه بصورة أكبر إلى الجانب التطبيقي، خصوصًا أن مدة الدورة كانت ثلاثة أسابيع فقط. وقد سجّل المدرب هذه الملاحظة بنفسه، ووعد بمعالجتها في الدورات المقبلة، وهو ما يعكس روحًا إيجابية ورغبة صادقة في التطوير.

لقد أثبتت هذه الدورة أن موريتانيا تمتلك طاقات شابة قادرة على مواكبة الثورة الرقمية، وأن الاستثمار في تكوين الشباب والأطر في مجال الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها متطلبات العصر.

كل الشكر والتقدير لمركز التميز للغات والتدريب (BEST Institute)، مع خالص التمنيات له بمزيد من التميز، فلكل شيء حظ من اسمه. كما أتمنى للأستاذ محمد سالم أبنو مستقبلًا واعدًا ومزيدًا من النجاح والتألق، وأن تكون هذه الدورة بداية لسلسلة من البرامج التكوينية المتخصصة التي تسهم في إعداد جيل يمتلك أدوات المستقبل، ويوظف الذكاء الاصطناعي في خدمة التنمية والإبداع والإنتاج.

ولا يفوتني أن أوجه التحية إلى الزملاء والزميلات الذين أثروا النقاش والتفاعل منذ اليوم الأول، وفي مقدمتهم الأخ محمد الأمين عداهي، مؤسس جمعية “مسرح الهواة”، الذي كان أحد الوجوه الثقافية والجمعوية البارزة في نواكشوط خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تشغله الالتزامات الوظيفية والأسرية، شأنه شأن كثير من رواد جيله.

كما أحيي جميع المشاركين والمشاركات الذين ساهموا في إنجاح هذه التجربة بروح التعاون وتبادل المعرفة..وشكر خاص للصغير ” الخليل” الذي حفزتني اهتماماته على الحضور ومتابعة التكوين إلى جانبه راجيا له النجاح والتوفيق في مشروع (حيفا) الذي عرضه في ختام الدورة .

محمد عبدالله الفتح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى